الحوارات

نشر من قبل:

|

على

|

إسرائيل بلد لا يكون فيه الجدال شكلاً من أشكال النزاع، بل أسلوب حياة. يتجادل الناس في طابور البقالة وعلى موائد العائلة، في الكنيست وعلى الشاطئ، في الإذاعة وفي مجموعات تلغرام، وحتى وهم واقفون عند ممر المشاة. من كان على حق عام 1948؟ من بدأ عام 1973؟ لمن تعود هذه الأرض حقاً، وأين يمر الخط الفاصل بين الدفاع عن النفس والعدوان؟

هذه المحادثات لا تتوقف، ولا ليوم واحد. بعضها يتكرر جيلاً بعد جيل، وبعضها يولد من مآسٍ جديدة وحروب جديدة ووعود جديدة وخيبات جديدة. تبدو بلا نهاية، كتاريخ هذا المكان. حامية أحياناً، ومتعبة أحياناً أخرى. لكنها حية دائماً.

ما ترونه هنا شذرات من ذلك التعدد الصوتي الذي لا ينتهي. ليست خلاصات ولا مواقف. مجرد سطور، بلا شروح ولا مصالحة ولا خواتيم. تماماً كما في جدال إسرائيلي حقيقي.


«قل لي، هل صحيح أن إسرائيل لم تعد تحارب دولاً؟ وأن كل حروب العقود الأخيرة كانت ضد جماعات مسلحة ومنظمات إرهابية؟»

«نعم، يبدو الأمر كذلك تقريباً. آخر حرب مع لبنان وسوريا انتهت عام 1985.»

«وهل لهذا تعارض إسرائيل قيام دولة فلسطينية؟»


«لحظة واحدة، تريد التنازل عن الجولان؟ هل تعرف أصلاً كيف كان الوضع هناك قبل 1967؟ هذا أمننا!»

«أولاً، لا، لا أريد. وثانياً، هل تتحدث حقاً عن الأمن؟»

«بالطبع نعم! تلك مرتفعات مسيطِرة!»

«حسناً، تخيّل الآن: ولا طلقة واحدة من هناك طوال خمس سنوات متتالية. ولا واحدة. هل نتنازل؟»

«مستحيل. أنا لا أثق بالعرب. ما إن نخرج حتى يعاودوا إطلاق النار.»

«حسناً، تخيّل الآن قوات أمريكية متمركزة هناك، والمنطقة كلها تحت رقابة دولية. خمس سنوات وصفر هجمات. رسمياً، هل كنت توافق على التنازل؟»

«لا. ما زال لا. أنا لا أصدّق ذلك.»

«أترى، لكن هذا يمكن أن يحدث فعلاً، وثمة أمثلة كثيرة في العالم. أظن أنك ببساطة لا تريد التنازل عمّا سُفك من أجله دم. والأمن لا علاقة له بالأمر.»


«انظر. المعادلة بسيطة. هناك بضعة ملايين منهم. هل يمكننا قتلهم جميعاً؟»

«لا.»

«هل يمكننا ترحيلهم؟»

«لا.»

«هل يمكننا استيعابهم؟»

«لا.»

«تعقيمهم؟»

«لا.»

«بالضبط. لأن كل ذلك جُرّب علينا من قبل، ولم ينجح. وإلامَ أفضى؟»


«كثير من أحاديثي مع الإسرائيليين تنتهي سريعاً. بعد سؤالين أو ثلاثة، «وما الخطة إذن؟»، يكتفي الناس بهزّ أكتافهم قائلين: «إنها حرب بلا نهاية. سنقاتل إلى الأبد.» وأبقى أتساءل، من أين تأتي هذه العقلية؟ لماذا هذه النزعة العسكرية المتأصلة؟

«هذا سهل. هم ببساطة لم يقاتلوا بعدُ حقاً.»


«قل لي، هل كنت تود العيش في دولة مسلمة؟»

«لا.»

«هل كنت تستطيع؟»

«لا، ولم أكن لأرغب في ذلك!»

«بالضبط. وهم لا يريدون العيش في دولة يهودية. بأي شكل ولا بأي شرط. فلماذا تحاول إجبارهم؟»


«اسمع، منذ فجر التاريخ ابتكر البشر شيئاً مقدساً وكونياً كهذا. حد. هنا نصلّي لكثولهو. وهناك لا يقتلون الماموث. هنا نحفظ السبت ولا تسير القطارات. وهناك يُمنع الكحول ويُباح تعدد الزوجات. هذا أمر طبيعي. فالحد ليس إلا النطاق الذي تسري فيه قواعدنا. تلك التي ابتكرناها نحن.»

«وإلامَ ترمي؟»

«الأمر كالتالي. لم تبقَ على وجه الأرض بقعة واحدة لا تعود إلى دولة ما. ولا واحدة. باستثناء أنتاركتيكا، وربما مناطق السوق الحرة بين الحدود. إن وجدت واحدة، فأرني إياها. سأنتقل إليها غداً.»

«حسناً... وبعد؟»

«إذن لمن تعود الضفة الغربية بالضبط؟»


«لحظة، توقف، هل تنوون بناء جدار على بُعد ثمانية عشر كيلومتراً من بيتنا؟»

«حسناً، أيّهما يشعرك بأمان أكبر، جدار أم حاجز تفتيش؟»

«الجدار على الأرجح.»

«ها قد قلتها.»


«سأرسم لك صورتين، ثم أطرح سؤالاً. الأولى. تخيّل سياجاً هائلاً وأبراج حراسة وطائرات مسيّرة ومدافع ليزر وشريطاً محظوراً بعرض خمسمئة متر على الجانبين. من يقترب يُطلق عليه النار بلا إنذار. فهمت؟»

«يا للهول.»

«الصورة الثانية: نعيش جميعاً معاً، جنباً إلى جنب. قرانا وقراهم، حقول مشتركة وطرق مشتركة. نزرع معاً ونبني معاً. صحيح، أحياناً تحت أعين حراس مسلحين، لكن مع ذلك. فهمت؟»

«همم. حسناً... وبعد؟»

«قل لي الآن، أي الصورتين تُعدّ في إسرائيل أيديولوجيا «يسارية»، وأيهما «يمينية»؟»

«[بارتياب] ماذا تحاول أن تقول؟»

«أقول إن هذا عالم مقلوب. سردية زائفة تتشرّبها كل الأشياء من حولنا.»


«لماذا نستوطن خلف الخط ونقاتل هناك؟»

«لأن مقدساتنا هناك، وهي جوهر أمّتنا!»

«لكنني سمعت أن الحريديم لا يريدون الخدمة في الجيش. أفلا تهمّهم المقدسات؟ أم أنهم يعرفون طريقة لصون القداسة من دون القتال من أجلها؟»

نشر من قبل:

في قسم