في القرن الحادي والعشرين، ما الأهم: السيطرة على الأرض أم ضمان الوصول؟
لدى تحليل الحجج المعارضة لترسيم حدود واضحة ونهائية لإسرائيل، يتكرر اعتراضان أكثر من غيرهما: الاعتبارات الأمنية و الأماكن المقدسة. أما مسائل الدفاع والاستقرار الاستراتيجي فتتناولها مواد أخرى لمشروع ميتاترون. وهنا نركّز على الاعتراض الثاني: وضع الأماكن المقدسة وإمكان الوصول إليها.
نقترح النظر في المسألة لا من منظور المطالبات القانونية، بل من زاوية ما ينجح فعلاً في العالم الحديث. وندعو في الوقت نفسه إلى تأمل أوسع في سؤال جوهري: الملكية أم الوصول؟
أماكن مقدسة عابرة للحدود: لمن تعود؟
الأماكن المقدسة مواقع لا تُستنسخ ولا تُنقل. وقيمتها في تفرّدها، وكذلك في انفتاحها على من يقصدها.
نادراً ما تتطابق الحدود الدينية مع حدود الدول. فملايين المؤمنين يحجّون بانتظام إلى أماكن بعيدة عن بلدانهم وثقافاتهم، بل وإلى ولايات قضائية قد تكون حكوماتهم في نزاع معها.
أمثلة:
- كنيسة القيامة: من أهم المقدسات المسيحية، وتقع في إسرائيل، بينما يأتي معظم الحجاج من أوروبا والأمريكتين وأفريقيا.
- المسجد الأقصى: ثالث الحرمين قداسةً في الإسلام بعد مكة والمدينة، ويقع هو أيضاً في إسرائيل. تديره مؤسسات إسلامية ويستقطب الحجاج من أنحاء العالم الإسلامي، بما في ذلك دول لا تعترف بإسرائيل.
- الجامع الأزرق (السلطان أحمد) في إسطنبول: كان كاتدرائية مسيحية (آيا صوفيا)، ثم مسجداً، ثم متحفاً، ثم مسجداً من جديد. وقد جرت هذه التحولات سلمياً رغم تبدّل الانتماء الديني.
- الحرم الإبراهيمي / مغارة المكفيلا في الخليل: موقع يهودي محوري يقع في منطقة تديرها السلطة الفلسطينية جزئياً، ومع ذلك يظل مقصداً للحجاج اليهود.
- كنائس كاثوليكية في الصين، وأديرة أرثوذكسية في مصر، وكنائس أرمنية في تركيا: كلها أمثلة على مقدسات قائمة خارج بيئة أغلبيتها المذهبية.
والخلاصة بسيطة: ليس على المكان المقدس أن يعود إلى الأغلبية الدينية في الدولة التي يقع فيها. فالمهم ليس الملكية، بل ضمان الوصول.
الملكية في مقابل الوصول: سجال حُسم بالفعل في قطاعات أخرى
تنبع حجة «لا يمكننا التنازل عن هذه الأرض لأن فيها مكاناً مقدساً» من فكرة أن الوصول متعذر من دون ملكية. غير أن العالم الحديث انتقل بحزم، في كل مجالات الحياة تقريباً، من التملك إلى الوصول. فالنماذج الاقتصادية اليوم تقدّم المرونة والراحة والإتاحة على الملكية.
- البرمجيات: حلّت نماذج الاشتراك (أدوبي، مايكروسوفت 365، أوتوديسك) محل شراء الترخيص لمرة واحدة.
- الموسيقى والسينما: حلّت خدمات البث (سبوتيفاي، نتفليكس، يوتيوب بريميوم) محل الوسائط المادية أو المُنزَّلة.
- السكن: كثيراً ما يوفّر الاستئجار راحة ومرونة أكثر من التملك.
- السيارات: قلّصت الاشتراكات وخدمات تشارك المركبات وطلب التوصيل الرغبةَ في امتلاك السيارات، خصوصاً في المدن الكبرى.
- النقل: قطارات ومترو وطائرات. لا نشعر بالغبن حين نستخدم منظومات مشتركة، حتى لو لم «نملك» سوى حق وصول مؤقت.
يسلّم كثيرون بأن شقة مستأجرة قد تمنح جودة حياة أفضل مما يقدرون على شرائه. فالملكية تغدو أصلاً استثمارياً، بينما تقوم الحياة اليومية على الإتاحة. والأماكن المقدسة تخضع للمنطق نفسه: ضمان الوصول أثمن من مطالبات ملكية غير مستقرة.
حيث تكون الملكية غير عملية بطبيعتها
ثمة مجالات بأكملها تكون فيها الملكية غير عملية أو بلا معنى. فلا أحد يطالب بخصخصة الحدائق العامة أو يصرّ على تشغيل خط مترو خاص. وحتى أشد أنصار الملكية الخاصة حماسةً لا يسعون إلى امتلاك البنى التحتية التي يعتمدون عليها يومياً.
أمثلة:
- القطارات والمترو: مملوكة للقطاع العام أو مُشغَّلة بامتياز، ويستخدمها الملايين.
- المجال الجوي والمطارات لا تعود إلى المسافرين، ومع ذلك تبقى متاحة.
- الإنترنت فائق السرعة: في الاتحاد الأوروبي يستأجر المزوّدون شبكات ألياف مشتركة؛ وفي جنوب شرق آسيا (تايلاند مثلاً) يصرّ المشغّلون على امتلاك كابلات منفصلة، فينشأ تشوّه بصري.
وكلما ازداد المجال كثافةً، ضاق المتّسع للملكية الخاصة وازدادت الحاجة إلى الوصول المشترك. حتى إن بعض مراكز المدن باتت تمنع المركبات الخاصة كلياً. وفي مثل هذه السياقات تتفوق نماذج الوصول على نماذج التملك.
ملكية المقدسات بوصفها مصدراً للنزاع
يقدّم التاريخ أمثلة كثيرة اندلع فيها نزاع ديني بدافع الرغبة في تملك مكان مقدس أو السيطرة عليه. فمزج الوجدان الروحي بالغريزة الإقليمية، «هذا الحجر لي»، غذّى العداء مراراً بدل أن يغذّي الوقار.
وفي المقابل توجد سوابق مشجّعة. فالقدس، على تعقيدها، تحافظ على الوصول إلى مقدسات ديانات عدة. وبفضل قواعد صيغت بعناية واتفاقات عريقة ورقابة مسؤولة، يبقى الوصول مصوناً حتى في ذروة التوتر السياسي.
هذا هو نموذج المستقبل: لا التنازع على أي المقدسات «أصيل حقاً»، بل ضمان وصول آمن ومستقر للجميع. لا عبر الاستسلام أو المساومة، بل عبر أطر واضحة قابلة للإنفاذ.
سوابق دولية: وصول من دون سيادة
تقدّم الممارسة العالمية أمثلة عديدة يُكفل فيها الوصول إلى المقدسات والمواقع المقدسة من دون ملكية إقليمية أو سيطرة دولة كاملة. فالفاتيكان حالة كلاسيكية: جيب داخل إيطاليا يتمتع بالسيادة، ومع ذلك يستقبل آلاف الحجاج يومياً بلا تأشيرات ولا بيروقراطية. وفي جبل آثوس باليونان يسري نظام فريد: لا يُسمح بالدخول إلا للحجاج الذكور، أياً كانت جنسياتهم، وفق قواعد يضعها المجتمع الرهباني لا الدولة. وفي الهند يعود معبد اللوتس إلى الطائفة البهائية، ومع ذلك تبقى أبوابه مفتوحة لأتباع كل الأديان. وتُظهر هذه الأمثلة جميعها أنه متى وُجدت قواعد واضحة واحتُرمت أهمية الموقع، صار الوصول ممكناً بلا نزاع وبلا مطالبات وبلا إعادة رسم للحدود.
حجج مضادة وردود واضحة
يجادل منتقدو نماذج الوصول المفتوح بأن الأمن والنظام لا يمكن ضمانهما من دون ملكية. غير أن هذه مماثلة زائفة. فالضبط والتنظيم لا يستلزمان السيادة. فالاتفاقات الدولية ومنظومات الدخول الرقمية والتحقق البيومتري وهيئات الرقابة المشتركة بين الأديان تعمل بالفعل في سياقات شتى، ويمكن توسيعها أكثر.
ويسأل آخرون: «وماذا لو سدّ أحد الطرفين الطريق مستقبلاً؟» وهو قلق مشروع، ولهذا بالضبط تلزم آليات متينة للتحقق والرصد والضمانات. وقد تشمل مراقبين دوليين وصكوكاً قانونية مُلزمة ورقابة رقمية، وكلها تنسجم تماماً مع رؤية مشروع ميتاترون.
وثمة قلق آخر: كيف تُصان المقدسات من دون ملكية؟ غير أن الوصول الحر، عملياً، ليس «مجانياً». فملايين الحجاج والزوار يولّدون دخلاً ثابتاً من التذاكر والتبرعات ورسوم الخدمات والتجارة المحلية. وتموّل هذه العوائد الصيانة والحراسة والترميم والصحة العامة. ولا يصير المكان المقدس مرفقاً عاماً مستداماً إلا حين يكون مفتوحاً ومتاحاً وآمناً حقاً. ليست الملكية هي ما يخلق القيمة، بل الوصول.
المنطق الحديث بوصفه مبدأً استراتيجياً
إذا كان العالم قد تبنّى نماذج الاشتراك في البرمجيات والترفيه والسكن والتنقل، فلمَ لا يُطبَّق المنطق نفسه على الفضاء المقدس؟
وإذا كان بمقدورنا الانتفاع بالمرافق العامة من دون نزاع إقليمي، فلعل الأوان قد آن لمدّ هذا المنطق إلى المقدسات.
لا ينبغي أن يكون المكان المقدس رهينةً للسيطرة السياسية. بل عليه أن يكون موضع تواصل للجميع.
ولهذا يقترح مشروع ميتاترون مقاربة جديدة: حماية الحدود من دون التخلي عن القيم الإنسانية الكونية. الهدف ليس المطالبة بملكية الأماكن المقدسة، بل ضمان الوصول الحر إليها على أسس واضحة وآمنة وقانونية.
ليست مهمتنا أن ننتزع مكاناً مقدساً من ديانة أخرى. وليست مهمتنا أن نفرض ولايتنا القضائية. مهمتنا أن نكفل وصولاً حراً وآمناً ودائماً. على النحو المتوقع في القرن الحادي والعشرين. لأن ذلك يساعد على تفادي الحرب. ولأنه يجعل إسرائيل أقوى، لا في حدودها فحسب، بل في مبادئها أيضاً.








