

مشروع ميتاترون: رؤية للأمن
مبادرة رائدة لتعزيز استقرار إسرائيل من خلال تكنولوجيا متقدّمة وتخطيط استراتيجي طويل الأمد
04
التكنولوجيا >>
أبراج تعمل بالذكاء الاصطناعي، وأجهزة استشعار زلزالية، وطائرات مسيّرة، وليزر "شعاع حديدي" – الجدار يفكّر ويتفاعل.
ما هو مشروع ميتاترون؟
مشروع ميتاترون هو مبادرة إسرائيلية شاملة في مجال الأمن والسيادة. يقترح جداراً دفاعياً عالي التقنية على امتداد خط حدود 1967، ونفقاً آمناً يربط غزة بالضفة الغربية، بهدف تحديد حدود إسرائيل النهائية وحمايتها.
كيف يضمن المشروع الأمن؟
من خلال الجمع بين الحواجز المادية وأنظمة الدفاع الذاتية والمناطق الخاضعة للمراقبة عبر الأقمار الصناعية، يمنع المشروع عمليات العبور غير المصرّح بها والتهديدات تحت الأرضية والهجمات الجوية، ويُنشئ منظومة دفاعية متكاملة تماماً.
لماذا اعتماد خط حدود 1967؟
خط حدود 1967 هو النقطة المرجعية المعترف بها دولياً، التي تعتمدها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية في كل النقاشات حول حل الدولتين. مواءمة الجدار مع هذا الخط تعزّز موقف إسرائيل القانوني وتقلّل الاحتكاك الدبلوماسي مع حلفائها.
كيف ستُدار القدس؟
ستوضع البلدة القديمة والمواقع الدينية الرئيسية تحت إطار حوكمة دولي، يديره الـ ICCJ – وهو مجلس يمثّل إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة والطوائف الدينية الكبرى. والوصول مكفول لأتباع جميع الأديان.
هل هذا بديل عن المفاوضات الحالية؟
يقدّم المشروع حلاً أحادي الجانب لكنه مسؤول، يقلّل الاعتماد على عمليات سلام فاشلة، مع الحفاظ على الممرات الإنسانية والتنسيق الدولي.
ما هي الخطة بشأن مرتفعات الجولان؟
ستبقى مرتفعات الجولان تحت الإدارة الإسرائيلية، بما يحافظ على السيطرة الاستراتيجية في الشمال وعلى الاستقرار والجاهزية لأي اتفاقات مستقبلية.
كيف يعالج المشروع المخاوف البيئية؟
تعطي الحلول الهندسية الأولوية لأدنى قدر من الإخلال بالطبيعة، مع دمج إعادة التأهيل البيئي والإدارة المستدامة في جميع مراحل البناء.
ما هي المكوّنات الرئيسية للمشروع؟
يشمل المشروع جداراً دفاعياً ذكياً بطول 1,115 كم على امتداد خط حدود 1967، ونفقاً آمناً تحت الأرض للاستخدام اللوجستي الفلسطيني، ومنطقة حوكمة دولية في القدس، وتقنيات متقدمة للمراقبة والاستجابة.
ما التقنيات المستخدمة؟
يدمج ميتاترون أجهزة استشعار زلزالية، وأبراجاً موجّهة بالذكاء الاصطناعي، وليزر "شعاع حديدي"، وكاميرات حرارية، وطائرات مسيّرة ذاتية التشغيل، وأنظمة دفاع سيبراني مشفّرة – وكلها تُدار عبر شبكة رقمية آمنة.
ماذا يحدث لمن يعيشون خارج الجدار؟
سيحظى المواطنون الإسرائيليون المقيمون خارج الجدار بالدعم في الانتقال الطوعي إلى داخل المنطقة المؤمّنة، بما يضمن الأمان واستمرارية الخدمات والاندماج الوطني.
كيف سيؤثّر المشروع على العلاقات الإقليمية؟
يمكّن المشروع إسرائيل من ترسيم حدودها بشكل أحادي دون مفاوضات مستمرة، ويمنح الفلسطينيين في الوقت نفسه تواصلاً جغرافياً، ويحافظ على الوصول إلى الأماكن المقدّسة تحت ضمانات دولية.
هل سيؤثّر البناء على النظم البيئية المحلية؟
تشمل جميع مراحل المشروع تقييمات بيئية خطط للتخفيف من الآثار البيئية لحماية الحياة البرية، ومنع التعرية، واستعادة الموائل الطبيعية أينما حدث البناء.
كيف يُموَّل مشروع ميتاترون؟
يعتمد التمويل على استثمار وطني مرحلي، وتخصيص استراتيجي للموارد، وشراكات محتملة مع حلفاء دوليين لتقاسم كلفة التنفيذ.
من المستفيد من مشروع ميتاترون؟
تحصل إسرائيل على حدود معترف بها ومحميّة؛ ويحصل الفلسطينيون على تواصل مُنظَّم بين الأراضي؛ ويشهد المجتمع الدولي تراجعاً في احتمالات النزاع وإدارة مشتركة للأماكن المقدّسة.
الأسئلة الشائعة
الجدار
سور، مجددًا؟ لقد انتهى عصر الأسوار — فالناس يفتحون الحدود، ويلغون التأشيرات، وسور برلين سقط، وأنت تقترح بناء سور جديد؟
العالم يفتح حدوده حين تنتهي الحروب. لم يصبح "شنغن" ممكنًا لأن الأوروبيين وقّعوا إعلانًا جميلًا، بل لأن فرنسا وألمانيا توقفتا عن التنازع على أراضي بعضهما البعض. أولًا يُعترف بالحدود، ثم تُفتح. لا يحدث الأمر أبدًا بالترتيب المعاكس.
سور برلين ليس مثالًا موفقًا هنا. فقد قسّم شعبًا واحدًا داخل بلد واحد، وحبس الناس بداخله. أما سور ميتاترون فيُبنى بين شعبين لم يستطيعا العيش معًا منذ مئة عام، ولا يحبس أحدًا: فكل طرف يحتفظ بمنفذه الخاص إلى العالم.
المقارنة الأصح هنا هي الطلاق. اختراع البشرية العظيم: فصل المتخاصمين، والسماح لهما بالعيش منفصلين دون أن يعترض أحدهما طريق الآخر. إنها جراحة حين يعجز العلاج النفسي عن الجدوى. وراءنا مئة عام من "العلاج الأسري" — مفاوضات، واتفاقيات، وخرائط طريق. ونعرف النتيجة.
بعد السابع من أكتوبر، كل حديث في إسرائيل ينتهي بالعودة إلى الأمن. هذا ليس جنون ارتياب — بل عقد اجتماعي انكسر: الدولة وعدت بالحماية ولم تفِ بوعدها. كل مبادرة اليوم تُقرأ من هذه الزاوية، وأنا مقتنع بأن خطاب الأمن هو الوحيد القادر فعلًا على الوصول إلى الإسرائيليين.
يومًا ما سنهدم هذا السور أيضًا. لكن فقط من يتوقفون أولًا عن إطلاق النار عبر الحدود يستحقون فتحها. دعوا الشعبين يعيشان منفصلين لبعض الوقت. والباقي سيأتي تباعًا.
جدارٌ ما كان قائماً بالفعل. ورأيناه يُهدَم في السابع من أكتوبر.
أولاً، دعونا لا نخلط بين الأمور. ما تحطّم في السابع من أكتوبر كان سياجاً: بنية خفيفة من الشباك السلكية وأجهزة الاستشعار، تكفي جرافة واحدة لهدمها في دقائق. أما جدار ميتاترون فهو بنية أساسية من الخرسانة المسلحة، تمتد عشرات الأمتار تحت سطح الأرض. الجرافة عاجزة أمامه، وكذلك المتفجرات، وكذلك الذخائر المخصصة لاختراق التحصينات.
ثانياً، لا يعيش القائمون على المشروع في وهم: فالصراع الأزلي بين القذيفة والدرع سيستمر، ومحاولات اختراق الجدار ستتكرر لا محالة. لكن هذا بالضبط هو جوهر الفكرة — ليس أن يكون الجدار منيعاً بشكل مطلق نظرياً، بل أن يجعل كلفة اختراقه باهظة إلى حدّ الاستحالة العملية. فالاقتراب منه دون أن يُلاحَظ أمرٌ مستحيل: أجهزة الاستشعار ترصد أي حركة من مسافة كيلومترات، والاستجابة تأتي خلال دقائق. كل محاولة اختراق مكلفة ولا تُجدي نفعاً.
وبعبارة أبسط: يجب أن تكون كلفة اختراق الجدار أعلى بكثير من كلفة الجلوس إلى طاولة المفاوضات. هذا هو غرضه الحقيقي.
ما الفائدة من جدار إذا كانت الصواريخ تنهال علينا؟ كيف سيحمينا من التهديدات الباليستية؟
لن يحميَ منها. أو بالأحرى، سيوفر بعض الحماية من الأنواع قصيرة المدى عبر إجباره على تغيير مسارها، ما يقلل من خطورة تلك الصواريخ. لكن بشكل عام — لا. فللحماية من الصواريخ، تمتلك إسرائيل منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات مكوّنة من خمس مستويات، من بينها القبة الحديدية وشعاع الحديد. والسؤال "كيف سيحمي الجدار من الصواريخ؟" أشبه بسؤال "كيف سيحمي قفل الباب من الحريق؟". الإجابة أنه لن يفعل. فللحريق طفاية معلّقة على الحائط أصلاً.
والآن انظروا إلى الأرقام. على مدى عشرين عاماً من إطلاق الصواريخ، من عام 2001 حتى 2023، أدت الصواريخ القادمة من غزة إلى مقتل ما بين 30 و40 إسرائيلياً. أما القبة الحديدية فتعترض أكثر من 90% من الصواريخ. وفي يوم واحد فقط، السابع من أكتوبر، قُتل نحو 1200 شخص جراء التسلل البري — أي أكثر بثلاثين ضعفاً من ضحايا الصواريخ كلها خلال عشرين عاماً.
الصواريخ هي التهديد الأكثر ظهوراً، لكنها الأقل فتكاً. أما التسلل البري فهو النقيض تماماً. ففي السابع من أكتوبر، كان وابل الصواريخ مجرد إلهاء: الضربة الرئيسية جاءت عبر اختراق الحدود. والجدار، لا الدفاع الصاروخي، هو ما كان يمكن أن يمنع تلك الفظاعة.
وأمر آخر: لم تُحسم أي حرب بالصواريخ وحدها. فالاستيلاء على الأرض، والتمركز فيها، وأخذ الرهائن — كل ذلك يتطلب اختراقاً مادياً فعلياً. والجدار يقطع هذا الاحتمال تحديداً. تبقى الصواريخ إرهاباً، لكنه إرهاب بلا نتائج ميدانية.
وهناك أيضاً سيناريو معاكس يستحق أن يُقال بوضوح. فإذا قررت إيران أو أي خصم آخر إنفاق صواريخ باهظة الثمن في محاولة لتدمير الجدار، فلن تجد إسرائيل هدية أفضل من ذلك. فالجدار مجرد كتلة خرسانية لا يوجد بداخلها إنسان واحد. وكل صاروخ يُطلق على امتداد فارغ من الحدود هو صاروخ لم يُطلق على مستشفى أو مدرسة أو مبنى سكني. وبهذا المعنى، يعمل الجدار كمانعة صواعق تمتص أخطر أسلحة العدو وأغلاها ثمناً، وتستوعب الضربة في مكان لا يودي بحياة أحد.
تقع إسرائيل على صدع نشط زلزاليًا. فهل يصمد جدار خرساني بهذا الحجم أمام زلزال حقيقي؟
سؤال مشروع، ويكتسب إلحاحًا خاصًا فيما يتعلق بجزء محدد من الجدار. فالحدود الشرقية مع الأردن تمتد على طول صدع البحر الميت التحويلي، وهو ذاته الصدع الذي شهدت عنده المنطقة أخطر زلازلها. آخر زلزال كبير وقع عام 1927 بقوة 6.2 درجات، وأودى بحياة نحو 500 شخص. ويقدّر علماء الزلازل أن دورة تكرار مثل هذه الأحداث تتراوح بين 80 و100 عام، وهذه الفترة توشك على الاكتمال.
هذا ليس سببًا للتخلي عن بناء الجدار في ذلك الجزء، بل هو متطلب هندسي يستوجب تصميمه بطريقة مختلفة منذ البداية. فالجدار الممتد لكيلومترات لا يُصبّ فعليًا ككتلة خرسانية واحدة متصلة، بل يُبنى أساسًا على شكل قطاعات منفصلة. وتوضع بين هذه القطاعات فواصل تمدد تسمح للبنية بالحركة مع تحركات الأرض دون أن تتصدع أو تتفكك. وهذه ممارسة معيارية معتمدة في المنشآت الممتدة بمناطق النشاط الزلزالي، من خطوط الأنابيب إلى الجسور والسدود.
والأساسات العميقة، المطلوبة أصلًا لأسباب أمنية (بعمق عشرات الأمتار تحت الأرض لمنع الأنفاق)، تحمل فائدة إضافية: فالركيزة تصل إلى طبقات تربة سفلى أكثر استقرارًا، بدلًا من البقاء عند الصخور السطحية الأكثر عرضة للحركة. أما تسليح الجدار فمحسوب وفق المعايير الزلزالية الإلزامية في إسرائيل للمنشآت الكبرى منذ عام 1980.
الزلزال قد يُلحق ضررًا بقطاعات فردية، لكنه لا يستطيع إسقاط الجدار بأكمله، لأنه منذ البداية ليس لوحًا صلبًا واحدًا، بل سلسلة من الكتل المستقلة المرتبطة ببعضها بمرونة.
كيف يختلف هذا الجدار عن جدران أخرى في التاريخ؟ فكلها انتهى بها الأمر إلى أن تُلتف حولها أو تُخترق. لماذا لا يمكن الالتفاف حول هذا الجدار أو التغلب عليه؟
عادةً ما فشلت الجدران التاريخية لأحد سببين. إما أن تكون لها نهايات، فيلتف العدو حولها ببساطة، كما التف الألمان حول خط ماجينو عبر بلجيكا عام 1940. أو أن تكون فيها امتدادات ضعيفة، سيئة الحراسة، يمكن فيها العمل دون أن يلاحظه أحد لفترة كافية: رشوة حارس، أو العثور على قطاع مهجور، أو نحت الحجر أسبوعاً بعد أسبوع بينما لا أحد يراقب.
أما محيط "ميتاترون" فهو مغلق على طول الحدود الدولية لإسرائيل بأكملها. فليس له نهايات يُلتف حولها، تماماً كما أن الدولة نفسها ليس لها نهايات. وليس فيه امتدادات غير مراقبة: فكل متر منه تحت مراقبة دائمة متعددة الطبقات — حساسات زلزالية تحت الأرض، وحساسات حرارية وصوتية على السطح، وطائرات مسيّرة في الجو. فالعمل هنا دون أن يُلاحَظ أمر مستحيل مادياً، لا لأن الجدار نفسه غير قابل للاختراق، بل لأن أي محاولة تُكتشف قبل وقت طويل من نجاحها.
وهناك أيضاً نقطة تتعلق بالمادة نفسها. فالخرسانة المسلحة العادية بهيكل قضبان حديدية منتظم لها بنية يمكن التنبؤ بها: توجد فجوات بين قضبان الحديد يمكن لمثقاب الألماس استغلالها إن عرف أين يضرب. أما الخزائن المصرفية وصناديق الأمانات فقد اعتمدت منذ زمن طويل نهجاً مختلفاً: الخرسانة المسلحة بألياف الفولاذ، حيث بدلاً من الهيكل المنتظم، تُخلط مقاطع قصيرة من ألياف الفولاذ عشوائياً في كامل الحجم. فيصطدم المثقاب بالمعدن في أي نقطة، لأنه لا توجد فجوات يمكن التنبؤ بها. والمنطق نفسه ينطبق هنا.
وهذا ينتج حماية مزدوجة. فحتى لو وُجدت طريقة للعمل في مادة الجدار، فإن العملية نفسها ستستغرق وقتاً أطول مما هو متاح على محيط محروس، مغلق، وتحت مراقبة مستمرة. لقد فشلت الجدران التاريخية لأنها كانت أجساماً ساكنة فيها ثغرات من صنع الإنسان. أما هذا الجدار فهو حي بالضبط لأنه لا ثغرات فيه ولا نهايات له.
كيف يختلف هذا عن الجدار الفاصل الذي تبنيه إسرائيل منذ عام 2002؟ فنصفه لم يكتمل قط، ومحكمة العدل الدولية في لاهاي حكمت بعدم شرعيته. فلماذا سيكون هذا الجدار مختلفًا؟
يختلف في مساره. فالجدار الفاصل لعام 2002 ينحرف، في عشرات المواضع، عن الخط الأخضر، متوغلًا عميقًا داخل الضفة الغربية، ملتفًّا حول المستوطنات. ولهذا السبب بالذات حكمت محكمة لاهاي بعدم شرعيته — لا لكونه بُني أصلًا، بل لأنه يمر عبر أراضٍ محتلة. فالمحكمة لم تنازع قط في حق أي دولة في إقامة منشآت دفاعية على أرضها. وكيف لها ذلك؟
هذا هو الدرس الذي استخلصه مشروع ميتاترون. فالجدار سيسير بدقة على طول خط 1967، دون أن يتجاوز الأراضي المتنازع عليها ولو بمتر واحد. والمنطق نفسه الذي جعل جدار 2002 هشًّا من الناحية القانونية، هو ما يجعل جدار ميتاترون منيعًا قانونيًا.
وعدم اكتمال جدار 2002 ينبع من الخطأ ذاته. فالمسار عبر أرض متنازع عليها يعني دعاوى قضائية واحتجاجات وتعديلات مسار لا تنتهي — عشرين عامًا من البناء دون إتمام. أما المسار على طول خط معترف به فيزيل كل هذه العقبات دفعة واحدة.
وللتفاصيل الدقيقة حول المسار الذي سيسلكه الجدار ولماذا اختير هذا المسار بالذات — راجعوا قسم "الخط".
النفق
هل ستبني إسرائيل نفقاً على نفقتها الخاصة؟ من أجلهم؟
نعم. النفق محاولة لحل المشكلة الجذرية التي رافقت خطة تقسيم فلسطين منذ نشأتها بشكل نهائي — وهي خطة ظهرت رغم استنتاجات لجنة وودهيد — مشكلة "رقعة الشطرنج". فأراضي الدولتين المستقبليتين بدت كمربعات متناثرة على رقعة شطرنج، والترابط بين هذه الأراضي ظل يثير تساؤلات جدية منذ ما يقارب مئة عام.
لن تسمح إسرائيل ببناء النفق على أراضيها من قبل مقاولين خارجيين؛ إذ يجب على الدولة أن تتحكم بكل مرحلة من مراحله، تجنباً لأي شبهة "أحصنة طروادة".
النفق، في جوهره، مسألة أمن إسرائيلي في المقام الأول. فهو يعني عدم وجود معابر حدودية وعدم عبور آلاف الأجانب أراضي إسرائيل لمجرد زيارة الأقارب أو الذهاب إلى الساحل. وهو يعني ترابطاً بين أراضي الدولتين، ووجود فضاء سياسي واقتصادي ولوجستي وقانوني واحد. كما يعني نهاية وضع السلطتين المزدوجتين ومفهوم "فرّق تسد".
ما الذي يمنع النفق من أن يتحول إلى قناة تهريب عملاقة للأسلحة؟
من أين، إلى أين؟ النفق يربط غزة والضفة الغربية مباشرةً، متجاوزًا الأراضي الإسرائيلية بالكامل. الأسلحة التي تصل إلى هذه المناطق اليوم تسلك أصلًا مسارات مختلفة تمامًا: أنفاق محور فيلادلفيا بين غزة وسيناء، وحاويات عائمة تُلقى قبالة السواحل قرب دير البلح وخان يونس، وطرق برية يستخدمها الحرس الثوري الإيراني عبر السودان وسوريا وصولًا إلى الأردن. هذه هي بالضبط القنوات التي عبرت منها الصواعق الإيرانية وقذائف الهاون التي عُثر عليها لاحقًا بحوزة منفذي هجوم 7 أكتوبر. وقد أمضت إسرائيل ومصر سنوات في إغراق وتفجير عشرات هذه الأنفاق تحت محور فيلادلفيا، ومع ذلك لم يتوقف التدفق يومًا.
نفق ميتاترون لا يضيف شيئًا إلى هذه الجغرافيا. فهو لا يمر عبر سيناء، ولا يصل إلى البحر، وليست له أي منافذ خارج غزة والضفة الغربية. الجدار وأجهزة الاستخبارات وأنظمة الدفاع الصاروخي وكامل قوة الجيش الإسرائيلي تتولى أصلًا حراسة قنوات التهريب القائمة، وستستمر في ذلك بصرف النظر عن وجود النفق.
الفائدة التي يمكن أن يجلبها النفق للتواصل الفلسطيني وتقليل الاحتكاك مع إسرائيل تفوق بما لا يُقاس المخاطر المحتملة. والتساؤل عمّا إذا كان النفق "سيتحول إلى قناة تهريب" أشبه باقتراح حظر السيارات لأن أناسًا يموتون في حوادث السير.
كيف يمكن تفتيش كل سيارة وكل قطار؟ هذا سيشلّ حركة المرور.
عمليات التفتيش عند نقاط الدخول والخروج هي مسؤولية الجانب الفلسطيني. فهي أرضه، وبنيته التحتية، والتزامه. إسرائيل لا تتدخل في هذه العملية.
أما من جانبها، فتتولى إسرائيل مهمة مختلفة: ضمان أن كل ما يدخل النفق يصل إلى الطرف الآخر دون أن يخرج في منتصف الطريق داخل الأراضي الإسرائيلية. وقد أُنشئت "منطقة ميتة" على امتداد المسار بأكمله — شريط أرض يبلغ عرضه بضع مئات من الأمتار، تحت مراقبة دائمة، مع حظر تام للبناء أو الزراعة أو أي نشاط مدني. فالظهور هنا دون أن يُلاحظ أمر مستحيل ماديًا: أجهزة استشعار، طائرات مسيّرة، كاميرات مزوّدة بالذكاء الاصطناعي، ودوريات. وتحت الأرض، تمتد أجهزة استشعار صوتية على طول المسار بأكمله، تكشف أي محاولة حفر — سواء باتجاه النفق أو بعيدًا عنه، فكلاهما مستحيل بالقدر نفسه. كما تُسجَّل حركة المرور بدقة صارمة: أيًا كان عدد المركبات والقطارات التي دخلت، يجب أن يخرج العدد ذاته. وأي تباين يُكتشف فورًا.
هذا يُنتج تقسيمًا واضحًا للمسؤولية. الجانب الفلسطيني مسؤول عمّا يدخل النفق. والجانب الإسرائيلي مسؤول عن ضمان ألا ينتهي أي من ذلك داخل الأراضي الإسرائيلية.
نفقٌ على عمق 45 كيلومترًا تحت الأرض هو المكان الأمثل لتنفيذ هجوم إرهابي. انفجار واحد في ساعة الذروة يعني آلاف الضحايا.
آلاف من ماذا، ولمن؟ لا وجود لإسرائيليين في النفق أصلًا — فهو يربط غزة بالضفة الغربية، وركّابه فلسطينيون حصرًا. وانهياره لن يُحدث فرقًا كبيرًا أيضًا، ذلك أن "المنطقة الميتة" فوق النفق خالية من السكان.
إذن، الوحيدون القادرون على تفجير النفق هم فلسطينيون يتحركون ضد فلسطينيين آخرين — أولئك الرافضون لفكرة الدولة الفلسطينية والتواصل الجغرافي أصلًا. وهذا لم يعد تهديدًا لأمن إسرائيل، بل مسألة أمن داخلي تخص الدولة الفلسطينية المستقبلية، ومسؤوليتها تقع على عاتق الأجهزة الفلسطينية.
والمنطق هنا هو ذاته المنطبق على أي بنية تحتية وطنية. فشبكة مترو الأنفاق في أي دولة في العالم هي، من الناحية النظرية، هدف محتمل للإرهاب. وهذا ليس حجة ضد وجود المترو، بل حجة لصالح وجود أجهزة أمنية محترفة.
من في غزة سيوقّع على اتفاق بشأن النفق؟ لا أحد يتفاوض مع حماس، والسلطة الفلسطينية لا تسيطر على غزة.
المشروع ينطلق من منطق استباقي. لا ننتظر ظهور الشريك المثالي، بل نبدأ بالعمل على نحو يجعل ذلك الشريك يتبلور فعليًا.
تبدأ إسرائيل بالجزء الأقل إثارة للجدل والأخلى من السكان — قطاع تجريبي من الجدار في النقب، على الحدود مع مصر. لا مفاوضات سياسية، ولا خلافات حول المسار. مجرد بدء العمل، لا أكثر. وبالتوازي، تُنشر أوراق بيضاء تغطي المشروع بأكمله، بما في ذلك النفق. والفرضية بسيطة: مستقبل ملموس ومرئي بدأ يتجسّد فعلًا يغيّر المشهد السياسي على جانبي الحدود.
تزدهر حماس أينما ينعدم الحل السياسي. ومنتجها الوحيد هو وعدٌ بنصر عسكري بوصفه المخرج الوحيد. فحين يظهر بديل — تواصل فلسطيني حقيقي، ووصول حقيقي إلى البحر، وطريق حقيقي إلى العالم عبر عمّان — يفقد منتج حماس قيمته. وينطبق الأمر ذاته على المتطرفين الإسرائيليين، الذين تقوم أيديولوجيتهم على مقولة "لا يوجد من نتفاوض معه". فمشروع ملموس على الطاولة يُسقط هذه المقولة.
الاتفاق سيوقّعه الفلسطينيون الذين يريدون مستقبلًا لا حربًا لا تنتهي. ومهمة المشروع أن يجعل أعدادهم في تزايد.
هذه فرضية — نعم. ولا سبيل لاختبارها إلا عمليًا. والخبر الجيد أنه ببساطة لا توجد فرضيات أخرى، ناهيك عن استراتيجيات بديلة.
لماذا كل هذه التكاليف الهائلة، وهناك أصلاً معبرا إيرز ورفح — لماذا لا نكتفي بفتحهما؟
لأن المسألة هنا تتعلق بالترابط اللوجستي داخل دولة واحدة. فإذا كانت غزة جزءًا من دولة فلسطينية مستقبلية، فوفق منطقكم، يجب أن يكون أمام من يريد الانتقال من رام الله إلى مدينة غزة خياران:
1. الخروج عبر الحدود إلى الأردن، السفر جوًا إلى مصر، الدخول عبر رفح - ونفس الطريق عودة.
٢. اعبور الحدود الإسرائيلية مرتين وقم بالقيادة لمسافة ٥٠-٦٠ كيلومتراً عبر أراضيها.
فأي من هذين الطريقين تراه آمنًا؟ أو عمليًا؟ وهل توجد دولة في العالم تقبل أن يتوقف تنقّل مواطنيها الداخلي على العبور عبر أراضي دولة مجاورة — لا سيما إذا كانت العلاقات معها، بأقل تقدير، متوترة؟
النفق يحل هذه المعضلة بالتحديد — أي الترابط الجغرافي للأراضي. فإذا استطاعت البشرية أن تربط بريطانيا بالقارة الأوروبية تحت قاع بحر المانش، وأن تبني أنفاقًا عبر جبال الألب بين فرنسا وإيطاليا، فما الذي يمنع بناء نفق في الصحراء؟ هذه مهمة هندسية، تم حلّها مرارًا وتكرارًا منذ زمن بعيد. والسؤال الوحيد هو مدى توفر الإرادة السياسية لحلّها.
معبرا إيرز ورفح لا يحلّان المشكلة — بل يُبقيانها كما هي فقط.
الخط
ما هو "الخط"؟ هل هو نفس الشيء الذي هو "الجدار"، أم أنه أمر مختلف؟
الجدار والخط ليسا الشيء نفسه، حتى وإن تطابقا فيزيائيًا من حيث المسار.
الجدار هو الجانب المادي الملموس. منشأة هندسية تمنع تسلل الأشخاص والصواريخ والمركبات. وظيفته عسكرية بحتة.
أما الخط فهو المسار الذي يسلكه الجدار. وموضعه بالضبط هو ما يحدد المنطق السياسي للمشروع بأكمله.
اختير هذا المصطلح تحديدًا للتأكيد على الطابع المغلق والموحّد للمحيط الحدودي. فهذا ليس حدًا بالمعنى المعتاد، بل خط حماية يحيط بكامل محيط الدولة، ولا يؤدي وظيفته إلا إذا كان مغلقًا تمامًا، دون ثغرات أو استثناءات.
عندما تبني إسرائيل جدارًا على طول خط 1967، فإنها تصدر عدة رسائل في آن واحد. الأولى: هذه أرضي، وأنا أدافع عنها ماديًا. الثانية: أنا لا أطالب بأي أرض خلف الجدار. الثالثة: لم يعد للمجتمع الدولي ما يجادلني فيه بشأن الحدود، لأنني الآن أتفق مع الحدود التي يعترف بها هو نفسه.
مجتمعة، تُحوّل هذه الرسائل الثلاث نحو 90% من دول العالم — تلك التي تؤيد فكرة الدولتين أو تعترف بإسرائيل وفلسطين بشكل ما — إلى حلفاء سياسيين للمشروع. ليس لأنها تحب إسرائيل، بل لأن إسرائيل تبنّت أخيرًا الموقف الذي طالبتها به هذه الدول منذ عقود.
فما الذي يقدمه هذا الدعم السياسي فعليًا؟ ليس دبابات ولا جنودًا. بل شيئًا آخر: أصواتًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحاكم دولية تمتنع عن النظر في دعاوى ضد المشروع، وضغطًا دبلوماسيًا على أي جهة تحاول تحدي الجدار عبر العقوبات أو المقاطعة. هذا ليس جيشًا، لكنه البنية التحتية للشرعية، التي لا يمكن لأي مشروع بنية تحتية ضخم أن يصمد اليوم بدونها. وقد أثبت جدار عام 2002 هذا الأمر من قبل: فحين طُعن في مساره أمام محكمة لاهاي، تبيّن أن الدفاع عنه قانونيًا كان شبه مستحيل. ومشروع "ميتاترون" يأخذ هذا الدرس بعين الاعتبار منذ البداية.
مشروع "ميتاترون" لا يقوم على القوة، بل على الذكاء. فالعاملون عليه ليسوا فقط وزارة الدفاع، بل وزارة الخارجية أيضًا، لأن الدفاع عن الدولة اليوم لا يُبنى فقط في الخنادق أو خلف شاشات أنظمة الذكاء الاصطناعي. بل يُبنى أيضًا في مكاتب السفراء، وفي المؤتمرات الدولية، وفي قاعات مجلس الأمن. فالمسار الدبلوماسي — التحالفات، والشركاء، والتعاون، والاحترام المتبادل — لا يقل أهمية في هذا المشروع عن المكوّن العسكري، بل يفوقه أهمية في مراحل معينة.
وينتج عن هذا حماية مزدوجة. فالجدار يقدم ردًا عسكريًا لمن يحاول اختراق المحيط ماديًا. أما الخط نفسه فيقدم ردًا سياسيًا لمن يحاول الطعن في شرعيته دبلوماسيًا. ولا يعمل أحدهما دون الآخر. فالخرسانة بلا خط معترف به ليست سوى جدار على أرض غيره. والخط المعترف به بلا خرسانة ليس سوى إعلان على ورق. أما معًا، فيشكّلان ما بُني المشروع بأكمله من أجله: حدًا نهائيًا، محميًا، ومعترفًا به دوليًا لدولة إسرائيل.
لماذا خط 1967 تحديدًا؟ ولماذا لا يكون خط 1949 أو أي حدٍّ آخر؟
كان هذا الاختيار من أصعب القرارات في المشروع بأكمله، ولم يكن خط 1967 هو الخيار الأصلي. ففي النسخة الأولى من المشروع، كان من المفترض أن يسير الجدار على خط 1949 — خط الهدنة الذي أعقب حرب الاستقلال. وكان المنطق آنذاك بسيطًا: فهو أقدم ترسيم ثابت، وبدا الأكثر حيادًا من زاوية القانون الدولي.
غير أن تحليلًا أدق أظهر أن هذا الموقف لا يصمد.
فخط 1949 ليس حدودًا، ولم يكن كذلك يومًا. واتفاقيات الهدنة التي أرست هذا الخط تنص صراحة على أن هذه الخطوط ترسيم عسكري مؤقت لا قيمة سياسية له. ولم تعترف أي دولة عربية بإسرائيل ضمن هذه الحدود في ذلك الوقت. ولم تُقرّه أي معاهدة دولية يومًا بوصفه حدودًا فعلية.
أما خط 1967 فقد اكتسب على مر عقود من الدبلوماسية الدولية صفة الأمر الواقع. فقرارا مجلس الأمن الدولي 242 و338 يدعوان صراحة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967. وكل خطة سلام طُرحت خلال الخمسين عامًا الماضية — من كامب ديفيد وأوسلو إلى مبادرة جنيف وخطة ترامب — اتخذت خط 1967 أساسًا لها. وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والغالبية الساحقة من دول العالم لا تعترف إلا بهذا الخط.
وهكذا يصبح الاختيار بسيطًا. فجدار على خط 1949 سيكون جدارًا على خط لا وجود له رسميًا ولم يعترف به أحد قط. أما جدار على خط 1967 فهو جدار على ما يعتبره المجتمع الدولي بالفعل الحدود الشرعية، حتى وإن كانت إسرائيل لا توافق على ذلك رسميًا.
والمفارقة أن هذا لا يمثل بالنسبة للمشروع تنازلًا، بل العكس تمامًا. فخط 1967 يمنح الجدار بالضبط تلك الشرعية الدولية التي بدونها لا قيمة لأي هندسة مهما بلغت. فقبول الخط الذي تُطالَب أصلًا بقبوله ليس ضعفًا، بل هو انتزاع لزمام المبادرة. عندئذٍ تتوقف إسرائيل عن كونها الطرف المَدين، وتصبح الطرف الذي يبادر أولًا.
ولهذا وجه آخر أيضاً. يرى جزء من اليمين الإسرائيلي في التخلي عن الأرض الواقعة بين خطي 1949 و1967 هزيمة تاريخية. وهذا الموقف مفهوم، لكنه ينبع من منطق الستينيات، حين كان العمق الاستراتيجي يُقاس بكيلومترات من الأرض. أما اليوم فيُقاس الأمن على نحو مختلف: بالتكنولوجيا وسرعة الاستجابة ودقة البيانات. ولم تعد كيلومترات الأرض توفّر ما كانت توفّره في عصر جيوش الدبابات.
خط 1967 حل وسط عقلاني. ليس مثاليًا، لكنه الخيار الوحيد الذي يحقق في آن واحد الأمن العسكري عبر الجدار، والشرعية السياسية عبر الاعتراف الدولي. وأي خط آخر سيخسر في واحد على الأقل من هذين المعيارين.
ماذا عن الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا؟ لماذا ينحرف الجدار عن خط 1967 في هذه المنطقة تحديدًا؟
هذا أحد الانحرافات المتعمدة القليلة عن خط 1967 في المشروع، وهو لا يتعلق بالمياه نفسها، بل بمن كان يقف على الضفة الأخرى منها.
بين عامي 1948 و1967، كانت سوريا تحتل مواقع مباشرة على الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا، واستخدمت هذا الموقع فعليًا لأغراض عدائية. فقد كان المدفعيون السوريون يطلقون النار على زوارق الدورية الإسرائيلية كلما اقتربت لمسافة 250 مترًا من الشاطئ. وتعرض كيبوتس عين چيف على الشاطئ الشرقي للقصف بانتظام — وفي يوم واحد فقط سقط عليه أكثر من 300 قذيفة. وأُقيمت مواقع سورية مباشرة على حافة الماء، خرقًا لخط الهدنة الذي كان ينص على ترك مسافة عشرة أمتار من الشاطئ. إلى جانب ذلك، كانت هناك مضايقات للصيادين ومحاولات لإقامة مواقع عسكرية داخل الأراضي الإسرائيلية. وبحلول يونيو 1967، لم تعد كل هذه الأحداث مجرد سلسلة حوادث متفرقة، بل باتت نمطًا ثابتًا.
الحدود المائية بحد ذاتها ليست حجة قائمة بذاتها. فكثير من الدول تتقاسم أنهارًا وبحيرات ومضائق مع جيرانها، والأمر يسير على ما يرام. الحجة تنشأ فقط حين يُظهر الجار نية عدائية واستعدادًا للتصرف بناءً عليها. ومع سوريا، هذا تاريخ يمتد سبعين عامًا، وإلى أن يُحل، فإن الوصول إلى البحيرة من الضفة المقابلة يمثل خطرًا على إسرائيل لا يمكن لأي ضمانة ورقية أن تعوّضه.
لذلك ينحرف الجدار اليوم قرب بحيرة طبريا عن خط 1967 ويمتد أبعد شرقًا، تاركًا الشاطئ الشرقي للبحيرة تحت السيطرة الإسرائيلية. هذا ليس مطلبًا إقليميًا، وليس تسوية نهائية. إنه إجراء مؤقت طالما ظلت مسألة مرتفعات الجولان مفتوحة.
بمجرد أن يدخل بروتوكول التشغيل المستمر حيز التنفيذ، وتُظهر سوريا فترة ثلاث سنوات من الأمن الكامل على الحدود، يتغير الوضع. عندها تنتقل السيطرة على هذا الجزء من الجدار إلى سوريا، ويعود الشاطئ الشرقي إلى السيادة السورية، ويُمنح حق الوصول إلى البحيرة لكلا الجانبين. كما تُعزَّز حماية البحيرة نفسها من خلال آليات مراقبة مشتركة، تغطي إدارة المياه والأمن معًا.
وهذا يفضي إلى موقف عادل بحق. فإسرائيل لا تستخدم بحيرة طبريا ذريعة لمطالب إقليمية دائمة. الانحراف يُقاس بمئات الأمتار، ولا يخص سوى الخط الساحلي، ولا يُبرَّر بأيديولوجيا بل بتاريخ أمني محدد وقابل للتحقق. وحين يتغير هذا التاريخ، سيتغير الجدار معه.
ما هذا الحديث عن تبادل الأراضي؟ ما هي الأراضي المتبادلة بالضبط، ولماذا؟
فكرة التبادل الإقليمي ليست جديدة. فقد طُرحت في كل جهد سلام جاد منذ أواخر التسعينيات، وتراكمت على مدى هذه السنوات مجموعة واضحة إلى حد ما من الأرقام والنماذج. مشروع ميتاترون يعتمد على هذا الرصيد المتراكم بدلاً من اختراع نموذج من العدم.
المنطق الأساسي بسيط. خط 1967 يمر عبر أراضٍ يعيش فيها اليوم نحو 700 ألف إسرائيلي. معظمهم يتركزون في عدة تجمعات استيطانية كبرى ملاصقة لخط 1967: معاليه أدوميم، غوش عتصيون، غفعات زئيف، موديعين عيليت، بيتار عيليت. هذه التجمعات متاخمة جغرافياً لإسرائيل، ونقل سكانها يعني عملية إخلاء جماعي تشمل مئات الآلاف من الناس، بكل ما يترتب على ذلك من تبعات، كما شهدت إسرائيل بالفعل في غزة عام 2005. لهذا السبب، ومنذ أواخر التسعينيات، تضمّنت المفاوضات هذه الفكرة: تبقى هذه التجمعات مع إسرائيل، وفي المقابل تنقل إسرائيل أراضٍ معادلة، من حيث المساحة والنوعية، داخل خط 1967 إلى الفلسطينيين.
اختلف حجم التبادل المقترح عبر الزمن. ففي عام 2008، اقترح محمود عباس تبادلاً بنسبة 1.9% من الأراضي. وفي العام نفسه اقترح إيهود أولمرت نسبة 6.3%. أما مبادرة جنيف لعام 2003 فأشارت إلى نحو 2.2%. شاؤول أريئيلي، الخبير الإسرائيلي الذي عمل لسنوات على خرائط التفاوض، يصل في حساباته الأحدث إلى نحو 4%. والسيناريوهات الواقعية اليوم تتقارب إلى حد ما حول هذا الرقم: فهو يتيح بقاء نحو 80% من المستوطنين داخل إسرائيل دون تقطيع أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية إلى أجزاء متناثرة.
مع تبادل بنسبة 4%، تحصل إسرائيل على التجمعات الكبرى القريبة من خط 1967: معاليه أدوميم شرق القدس، غوش عتصيون جنوب القدس، غفعات زئيف شمال غرب القدس، موديعين عيليت وبيتار عيليت غرباً. وفي المقابل، تحصل فلسطين على مساحة مماثلة تقريباً من الأراضي في مواقع أخرى: شرائط في النقب قرب غزة لتوسيع المساحة، أراضٍ زراعية في منطقة لخيش، وربما أراضٍ في وادي بيت شآن.
أما أرئيل، الواقعة في عمق السامرة، فليست جزءاً من التبادل. فضمّها إلى إسرائيل يعني اختراقاً لأراضي فلسطين المستقبلية، وهو ما يرفض الجانب الفلسطيني باستمرار قبوله كشرط. وبحسب نموذج الـ4%، تبقى أرئيل تحت السيادة الفلسطينية، ويشارك سكانها في برنامج العودة الموصوف في قسم منفصل من المشروع.
كذلك لا يشمل التبادل غور الأردن. يعتبره جزء من اليمين الإسرائيلي ضرورياً عسكرياً كحاجز استراتيجي من الشرق. لكن مشروع ميتاترون يرى أنه في عصر المراقبة التكنولوجية، فقد الحاجز الجغرافي أهميته السابقة، وأن أمن غور الأردن يتوفر عبر الجدار وأنظمة المراقبة.
والنقطة الجوهرية هي: تبادل بنسبة 4% ليس اقتراحاً اعتباطياً من مشروع ميتاترون. إنه نموذج عملي، صُقل عبر عشرين عاماً من المفاوضات، يوازن بين مصالح الطرفين أفضل من أي بديل آخر. والمشروع ببساطة يتبنّاه كفرضية عمل ويدمجه في البنية الشاملة للمخطط.
ماذا عن الجدار في القدس؟ فالقدس الشرقية هي فلسطينية رسميًا وفق خط 1967، لكن إسرائيل ضمّتها عام 1980. كيف يتعامل المشروع مع هذا الأمر؟
القدس هي أعقد قطاع في الخط بأكمله، ولا بد من التعامل معها بشكل منفصل عن أي جزء آخر من الحدود.
يقسم خط 1967 القدس إلى جزء غربي وجزء شرقي. القدس الغربية، التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1948، كانت ولا تزال عاصمتها. أما القدس الشرقية، التي كانت تحت الحكم الأردني من 1948 إلى 1967 ثم آلت إلى السيطرة الإسرائيلية نتيجة حرب الأيام الستة، فقد ضمّتها إسرائيل بموجب قانون القدس لعام 1980. هذا الضم لا يعترف به المجتمع الدولي، ولا يزال خط 1967 يُعامَل باعتباره الحدود الرسمية للمدينة في أي وثيقة دولية، ما لم يُنَص على خلاف ذلك.
في الوقت نفسه، لدى فلسطين موقف رسمي ثابت من هذه المسألة. فإعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988 ينص صراحة على أن القدس عاصمة لدولة فلسطين المرتقبة. وكل خطة سلام خلال الثلاثين عامًا الماضية بُنيت على صيغة تجعل من القدس الشرقية عاصمة فلسطين. هذا ليس احتمالًا نظريًا، بل موقفًا تفاوضيًا ثابتًا لا ينوي الجانب الفلسطيني التخلي عنه تحت أي ظرف.
والنتيجة وضع فريد من نوعه: تصبح القدس المدينة الوحيدة في العالم التي تدّعي أنها عاصمة لدولتين مختلفتين في آن واحد. ولا تناقض في ذلك، متى أدركنا أن الأمر يتعلق فعليًا بجزأين مختلفين من مدينة واحدة. فالجزء الغربي عاصمة إسرائيل، والجزء الشرقي عاصمة فلسطين. وبينهما يمتد الخط، فاصلًا المدينة ماديًا إلى إقليمين ذوي سيادة.
والتعقيد لا يكمن في فكرة تقسيم المدينة، بل في ثلاثة تفاصيل محددة لا نظير لها في أي جزء آخر من مسار الخط.
التفصيل الأول هو البلدة القديمة، بما تضمه من الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة. هذا الإقليم لا يُعطى لأي من الطرفين، بل يحظى بوضع خاص كمنطقة دولية، يديرها مجلس من ممثلي الأديان. هذا النموذج مشروح بالتفصيل في قسم منفصل من المشروع مخصص للقدس.
التفصيل الثاني هو الأحياء العربية المحيطة بالبلدة القديمة: شعفاط، وبيت حنينا، وسلوان، وجبل المكبر، وغيرها. جميعها تقع شرق خط 1967، ووفق منطق التبادل الإقليمي، تصبح جزءًا من الدولة الفلسطينية. وهذا ليس ضمًا ولا ترحيلًا، بل مجرد عودة إلى الوضع المعترف به دوليًا. ويحصل سكان هذه الأحياء على الجنسية الفلسطينية، ويواصلون العيش في بيوتهم كما فعلوا طوال هذه السنين.
التفصيل الثالث هو الأحياء اليهودية التي بُنيت بعد عام 1967 في القدس الشرقية: راموت، وبسغات زئيف، وهار حوما، وجيلو، ونيفيه يعقوب. أُنشئت هذه الأحياء عمدًا كجزء من السياسة الديموغرافية الإسرائيلية، ويعيش فيها اليوم مئات الآلاف من السكان. ووفق نموذج التبادل بنسبة 4% الموضح في سؤال وجواب منفصل، تنتقل هذه الأحياء إلى السيادة الإسرائيلية كجزء من التبادل الإقليمي الشامل، وتحصل إسرائيل عليها مقابل أراضٍ معادِلة في مكان آخر.
لا يسير الخط في القدس على امتداد خط 1967 المستقيم، بل على خط تفاوضي يراعي التفاصيل الثلاثة جميعها: فهو يلتف حول البلدة القديمة، ويترك الأحياء العربية لفلسطين، ويضم الأحياء اليهودية الكبرى إلى إسرائيل. هذا هو أكثر قطاعات التصميم تعقيدًا في الخط بأكمله، لكنه أيضًا الأكثر نضجًا واكتمالًا، بعد عشرين عامًا من المفاوضات.
والفكرة الجوهرية هي هذه: القدس لا تُعيق المشروع، كما يميل الناس إلى الافتراض. إنها ببساطة تتطلب عملًا أكثر دقة من سائر القطاعات الأخرى. فكرة وجود عاصمتين في مدينة واحدة غير مألوفة، لكنها ليست مستحيلة. ومتى اتفقت إسرائيل وفلسطين على هذه الصيغة، يصبح كل ما تبقى مجرد مهمة هندسية.
أين يمكن أن يبدأ البناء الآن؟ هل يجب الاتفاق على كل شيء أولاً؟
لا، لا حاجة للانتظار حتى يُتفق على كل شيء. هذه واحدة من النقاط الجوهرية في بنية المشروع.
ينقسم الخط إلى ثلاث فئات من القطاعات، بحسب مستوى التنسيق الدولي المطلوب، وهذه الفئات هي التي تحدد تسلسل البناء.
القطاعات الخضراء هي الامتدادات على الحدود المعترف بها دولياً مع مصر والأردن ولبنان. لا نزاعات إقليمية هنا، ولا حاجة لتبادل أراضٍ، ولا تعقيدات سياسية. أي دولة في العالم يمكنها بناء جدار على حدودها المعترف بها دولياً دون إذن من أحد، وإسرائيل ليست استثناءً. تشكل هذه القطاعات الجزء الأكبر من الخط بأكمله، ويمكن البدء بها فور الموافقة على المشروع. المرحلة الأولى — امتداد تجريبي بطول 10 كيلومترات على الحدود الجنوبية مع مصر — سنتناولها في قسم التكنولوجيا. يخدم هذا الامتداد غرضين: اختبار جميع الحلول الهندسية والتكنولوجية، والبدء الفعلي في البناء الحقيقي للخط.
القطاعات الصفراء هي الامتدادات على حدود غزة وسوريا. تتطلب هذه تنسيقاً إضافياً، لأن الحدود معترف بها من الناحية التقنية لكنها معقدة سياسياً. مع غزة، المسألة تتعلق بالوضع المستقبلي للقطاع؛ ومع سوريا، تتعلق بمرتفعات الجولان وبحيرة طبريا. يمكن بناء هذه القطاعات بالتوازي مع الخضراء، لكن بشروط خاصة: أنظمة تكنولوجية معززة، وتنسيق مع بعثات المراقبة الدولية، واستعداد لتعديل المسار وفقاً لنتائج المفاوضات السياسية.
القطاعات الحمراء هي الامتدادات على الضفة الغربية. هنا لا مفر من عملية سياسية، لأنه بالتحديد في هذه الامتدادات يجري تبادل الـ4% من الأراضي. أي الكتلات بالضبط تبقى مع إسرائيل، وأي الأراضي الفلسطينية تُنقل مقابل ذلك، وأين يمر الخط النهائي — كل هذا يتطلب اتفاقاً تفاوضياً. يبدأ بناء القطاعات الحمراء بمجرد الاتفاق على معايير التبادل، وليس بالضرورة بعد الإنهاء القانوني الكامل لمعاهدة. المنطق هنا هو نفسه كما في القطاعات الخضراء: يمكن أن يسير العمل التقني بالتوازي مع الدبلوماسية، مما يسرّع العملية بأكملها.
النتيجة تبدو على هذا النحو: القطاعات الخضراء، التي تشكل نحو ثلثي الخط بأكمله، تبدأ فوراً. القطاعات الصفراء تسير بالتوازي، مع إجراءات تنسيق إضافية. القطاعات الحمراء تبدأ مع نضج الاتفاقات السياسية حول تبادل الأراضي. يُغلق الخط بأكمله بعد سنوات من العمل المتواصل.
الفكرة الأساسية بسيطة. المشروع لا يتطلب الاتفاق على كل شيء أولاً ثم البدء بالبناء. إنه يتيح البدء بالبناء حيث لا شيء يستدعي التفاوض، مع دفع المفاوضات قدماً بالتوازي حيث تكون ضرورية. كل كيلومتر مُنجز من القطاع الأخضر هو بحد ذاته حجة تُسرّع التوصل إلى اتفاق بشأن القطاعات الحمراء. جدار حقيقي يخدم الدبلوماسية أفضل من أي إعلان نوايا.
التكنولوجيا
كيف تعمل مراقبة الجدار عملياً؟
يُقسَّم الجدار إلى قطاعات يبلغ طول الواحد منها نحو 5 كيلومترات، ويعمل ضمن كل قطاع نظام مراقبة متعدد الطبقات.
الطبقة الأولى هي أجهزة استشعار ثابتة تعمل باستمرار على امتداد الجدار بأكمله: أجهزة استشعار زلزالية تحت الأرض، وأجهزة استشعار حرارية وصوتية على الهيكل نفسه. تعمل هذه الأجهزة على مدار الساعة وترصد أي نشاط.
الطبقة الثانية هي كاميرات ثابتة على الجدار مزوّدة بتحليل ذكاء اصطناعي، قادرة على التمييز بين الإنسان والحيوان، وبين الحركة الناتجة عن الرياح والحركة الحقيقية، وبين الاقتراب الاعتيادي والسلوك المريب.
الطبقة الثالثة هي طائرات مسيّرة للدوريات، تستجيب لإشارات أجهزة الاستشعار والكاميرات، وتقوم في أوقات الهدوء بجولات استطلاع مجدولة على القطاع. ويتيح طول القطاع البالغ 5 كيلومترات للطائرة المسيّرة تغطية المسار كاملاً ذهاباً وإياباً في وقت معقول، بحيث تبقى فترة إعادة فحص أي نقطة معينة في حدود دقائق معدودة.
أما الطبقة الرابعة فهي مركز قيادة واحد، تتجمّع فيه البيانات من جميع الطبقات. ويتولى الذكاء الاصطناعي معالجة هذا التدفق لحظياً، ويقرر الاستجابة المناسبة: إطلاق إنذار، إرسال فريق ميداني متنقل، أو تفعيل الأنظمة الآلية للجدار.
طول القطاع البالغ 5 كيلومترات هو فرضية هندسية أولية، اختيرت بناءً على منطق تزامن الطبقات الأربع ووقت الاستجابة. أما المعايير النهائية فستُحدَّد في مرحلة الهندسة التفصيلية للمشروع، استناداً إلى طرز المعدات المحددة. غير أن بنية المراقبة متعددة الطبقات ليست حكراً على هذا المشروع، فهذا هو الأسلوب المتّبع عالمياً في بناء أنظمة الأمن الحديثة للمحطات النووية والقواعد العسكرية والمنشآت الحساسة الأخرى.
لماذا يبلغ طول القطاع الأول عشرة كيلومترات بالضبط، ولماذا يقع تحديدًا على الحدود المصرية؟
عشرة كيلومترات ليست رقمًا اعتباطيًا، بل هي مقطعا مراقبة متجاوران. ولا يمكن أن تكون المسافة أقصر من ذلك، إذ إن مقطعًا واحدًا لا يكفي لاستيعاب أصعب جوانب الدورية الآلية: تسليم المسؤولية من طائرة مسيّرة إلى أخرى، ومزامنة البيانات بين المقاطع، وسلوك المنظومة عند تعطّل إحدى العقد. وفي حال كانت المسافة أطول، تصبح التجربة باهظة التكلفة.
أما اختيار الحدود الجنوبية مع مصر فسببه مختلف: فهذا هو الجزء الأقل إثارة للجدل في المسار كله؛ حدود معترف بها دوليًا، وخالية من التعقيدات السياسية، وذات كثافة سكانية شبه معدومة. وهذا يتيح التركيز الكامل على المسائل الهندسية دون أن تشتت الانتباهَ نزاعاتٌ حول مسار الحدود. فإذا نجحت التقنية في صحراء النقب، يمكن تكرار تطبيقها على امتداد الـ1105 كيلومترات المتبقية من الحدود.
المواقع المحددة هي المنطقة المحيطة بكفار نيتسانا ونحل تسيحور، والمدة الزمنية المقررة سنتان. وبعد ذلك، تخضع جميع الحلول التقنية لاختبار الواقع، ويستمر المشروع في البناء مستفيدًا من الخبرة المكتسبة.
ماذا يحدث إذا اقترب أحدهم فعلًا من الجدار؟ هل يُطلَق النار عليه؟ ومن يتخذ هذا القرار؟
لا يُحاط الجدار بخط دفاع واحد، بل بخطين. فالحدود الفعلية للدولة تمتد على بُعد 300 إلى 500 متر من الجدار، وهي مُحددة بأسيجة ولافتات تحذيرية بعدة لغات. وبين الحدود والجدار تقع منطقة حظر يُمنع فيها التواجد بشكل كامل.
وهذه نقطة حاسمة من الناحية القانونية. فأي شخص يعبر حدود الدولة عبر السياج لا يمكنه الادعاء بالخطأ أو الصدفة، إذ يُعدّ ذلك انتهاكًا متعمدًا، ويُصنَّف من يخترق الحاجز تلقائيًا على أنه متسلل. وتسنّ إسرائيل قانونًا خاصًا يُقيم نظامًا قانونيًا مستقلًا لهذه المنطقة، تختلف فيه قواعد استخدام القوة عن تلك المعمول بها في الأراضي العادية.
ومن هذه اللحظة، تتولى الأتمتة متعددة الطبقات زمام الأمر. فالمستشعرات والكاميرات ترصد عبور الحدود، ويقوم الذكاء الاصطناعي بتصنيف الجسم وتقييم سرعته واتجاهه وما إذا كان جزءًا من مجموعة. وتصل صورة كاملة عن الحدث إلى مركز القيادة في غضون ثوانٍ. ويبقى القرار النهائي باستخدام القوة بيد المشغّل البشري، لكنه يُتخذ فورًا، لأن النظام يكون قد جهّز كل المعلومات اللازمة مسبقًا.
ولا يتضمن المشروع إطلاق نار مستقل بالكامل دون تدخل بشري. فأي خطأ يرتكبه نظام آلي يتحول إلى حادثة دولية، ولا توجد دولة في العالم اليوم تنشر مثل هذه الأنظمة في وضع القتال الفعلي.
والأهم من ذلك كله: أن هذا التصميم لم يُبنَ ليُطلَق فيه الرصاص، بل ليُغني عن الحاجة إلى إطلاقه. فحين يعلم المتسلل أنه سيُكتشَف من مسافة كيلومترات وأن مواجهته مضمونة، ينخفض عدد المحاولات بشكل كبير.
تنطلق المسيّرات في أسراب من مئة طائرة نحو المدن الأوكرانية والروسية. ماذا سيحدث عندما تبدأ هجمات كهذه ضد إسرائيل؟ وهل للجدار دور في مواجهة ذلك؟
أولاً، أهلاً بكم. لقد انتظرنا هذا. يبدو أن سرب المسيّرات هو أقصر طريق إلى السلام، في أوكرانيا كما في إسرائيل. حتى لحظة إطلاق هذا المشروع، يبقى الرد الفعّال الوحيد حقًا على هجمات المسيّرات الجماعية هو السلام الدائم. ويبدو أننا سنرى ذلك قريبًا نسبيًا.
حتى اليوم، لا يوجد ترياق تقني فعّال ضد سرب من مئات المسيّرات. لكن هذا لا يعني أن مشروع ميتاترون يستغني عن منظومات الدفاع الفعّال. تمتلك إسرائيل بالفعل "شعاع الحديد" (Iron Beam)، الذي نُشر في نهاية عام 2025: يكلّف الاعتراض بالليزر بضعة دولارات من الكهرباء مقابل أربعين ألف دولار لصاروخ القبة الحديدية، وهو أمر حاسم في مواجهة الهجمات الجماعية والرخيصة. لكن لليزر قيودًا حقيقية. إذ يجب تثبيت الشعاع على الهدف عدة ثوانٍ قبل أن يُعطَّل، وهذا يمثّل عنق زجاجة أمام سربٍ متزامن حقيقي. كما تُضعفه الغيوم والمطر والعواصف الرملية. وفي ربيع عام 2026 اخترق سرب مسيّرات لحزب الله جزءًا من هذا الدفاع، ووصلت بعض الطائرات إلى كريات شمونة وكيبوتس دفنة. وستُنصب منظومات ليزر كهذه، على كل نواقصها الحالية، على طول الجدار بأكمله، وستستمر التقنية في التطور، سواء في سرعة إطلاق النار أو في القدرة على إعادة توجيه النيران بسرعة بين عدة تهديدات متزامنة.
والاتجاه الآخر هو المسيّرات الاعتراضية عالية السرعة، وهنا أيضًا التقنية موجودة فعلًا لا قيد التطوير فحسب. فالمعترِضات من طراز Hornet، التي عُرضت في معارض الأسلحة عامَي 2025-2026، تبلغ سرعتها حتى 250 كيلومترًا في الساعة وتلتقط الهدف على مسافة تصل إلى 20 كيلومترًا، بينما يقل وزنها عن 10 كيلوغرامات، وتتوجّه نحو البصمة الحرارية لمحرك الهدف لا عبر وصلة لاسلكية يمكن تشويشها. وستُنشر آلاف من هذه الطائرات على طول محيط الجدار بأكمله. وبالتوازي يتطور الإسقاط الجوي: فمنذ عام 2015 تختبر الولايات المتحدة نظامًا تُقذف فيه مسيّرة صغيرة من موزّع اعتيادي على متن طائرة، فتهبط بضع ثوانٍ بمظلة، ثم تنفصل المظلة وتنفرد الأجنحة وتدور المروحة، فتتحول إلى طائرة كاملة في الجو. واليوم يجري توسيع هذه الفكرة إلى حاملات قادرة على إطلاق مئة معترِض أو أكثر في تمريرة واحدة، في منطقة الهجوم مباشرة. والجدار نفسه، بشبكة مستشعراته، يعمل كمنظومة تحديد مبكر للمواقع: فهو أول من يرصد التهديد ويمرّر الإحداثيات إلى المسيّرات الاعتراضية كي يقع اللقاء بعيدًا في الجو، لا عند الاقتراب من الجدار ذاته.
ولا أحد يستبعد كذلك الوسائل التقليدية لتدمير منصّات الإطلاق، ومنها الضربات الجوية، وهو مجال تتمتع فيه إسرائيل بقدرات قوية تاريخيًا. فإذا عُرف من أين يُطلَق السرب، غالبًا ما يكون تدمير منصة الإطلاق أنجع من إسقاط مئات الطائرات في الجو.
لكن الحل الرئيسي يبقى على الأرض لا في الجو، وهو حل سياسي. فالسرب الجماعي يتطلب بنية تحتية للدولة: إنتاجًا، ومواقع، وتنظيمًا يفعل ذلك مرارًا وتكرارًا دون عواقب. ومعاهدة السلام تغيّر هذه المعادلة تحديدًا. إذ تبدأ أجهزة استخبارات الدول المجاورة بالعمل معًا لا ضد بعضها. وتجعل المراقبة عبر الأقمار الصناعية إخفاء الهوية مستحيلًا: فكل من يُعِدّ لإطلاق يجب أن تعثر عليه حكومة البلد الذي يوجد فيه وتسلّمه، لا أن يحميه الصمت. وليست إسرائيل هي من يبحث ويدمّر في أرض أجنبية، فتلك حرب جديدة. بل إن العثور والمحاسبة واجب الطرف الذي وقّع السلام.
وهذا ليس سذاجة ولا مسألة حسن نية. إنه حتمية العقاب التي لم تكن موجودة من قبل، لأن الهدف كان يبقى مجهولًا. ومشروع ميتاترون في جوهره عن السلام والتعاون، لا عن الحرب الأبدية. فقد سئم جميع أطراف النزاع من الإرهاب، وعاجلًا أم آجلًا يتحول هذا التعب إلى مورد سياسي.
كيف تتم صيانة الجدار؟ ومن يراقب سلامته الإنشائية؟
تنقسم الصيانة إلى ثلاثة مستويات، لكل منها مهمته الخاصة.
المستوى الأول هو الدورية التقنية. تسير مركبات الدورية على قمة الجدار، بينما تعمل فرق أرضية بالتوازي من الأسفل. فحص بصري يومي، والاستجابة لتنبيهات المستشعرات، وإصلاحات طفيفة في الموقع.
المستوى الثاني هو طائرات مسيّرة تشخيصية مزوّدة بمعدات متخصصة. الكاميرات الحرارية تكشف الشقوق والفراغات الخفية داخل الخرسانة من خلال فروقات التدرج الحراري. رادار الاختراق الأرضي يرى عبر الخرسانة وصولاً إلى حديد التسليح، ويكشف التآكل والتقشر. الماسحات فوق الصوتية تتحقق من سلامة الكتلة حتى عمق عدة أمتار. أما الليدار فينشئ خريطة ثلاثية الأبعاد دقيقة للسطح ويكشف الانحرافات الهندسية، بما في ذلك الهبوط. كل هذه معدات قياسية جاهزة، مُستخدمة منذ زمن طويل في فحص الجسور والسدود والأنفاق حول العالم.
المستوى الثالث هو طواقم الإصلاح. طواقم مجدولة تعمل وفق تقويم صيانة وقائية، وطواقم طوارئ تستجيب لتنبيهات محددة. كل قطاع من الجدار مزوّد بمحطات إصلاح آلية قادرة على معالجة الأضرار الطفيفة فوراً دون الحاجة إلى إرسال أفراد.
تتلاقى المستويات الثلاثة كلها في مركز قيادة واحد. هناك يُحتفظ بتوأم رقمي للجدار — نموذج ثلاثي الأبعاد كامل مع سجل تاريخي شامل للأعطال والإصلاحات. أي تغيير يُسجَّل فوراً، وأي خلل يظهر على الفور.
على عكس كشف المتسللين، حيث سرعة الاستجابة هي الأهم، فإن ما يهم هنا هو الانتظام المنهجي. فالجدار يجب أن يصمد لعقود، ومراقبة حالته مهمة هندسية لا تقل شأناً عن بنائه.
من يعمل على هذا الجدار؟ وكيف تتغير طبيعة خدمة الحدود في ظل هذه الظروف الجديدة؟
تتحول خدمة الحدود الحديثة من بنية جماهيرية قائمة على الدوريات ونقاط التفتيش، إلى منظومة مهنية موزعة تتعامل مع المعلومات بقدر ما تتعامل مع المحيط المادي نفسه.
يبدو التكوين على النحو التالي تقريبًا.
مشغّلو مركز القيادة — يراقبون البيانات الواردة من الجدار بأكمله في الزمن الحقيقي، ويصنّفون الأحداث، ويقررون طبيعة الاستجابة. هذا عمل متقدم تقنيًا، يتطلب تدريبًا يضاهي تدريب موظفي التحكم في كبرى المطارات.
فرق الدوريات المتحركة — وحدات صغيرة موزعة على طول الجدار، تستجيب لتنبيهات مركز القيادة. فهي لا تجوب المنطقة وفق جدول ثابت، بل تُنشر استجابةً لإشارة محددة. وهذا يقلّص عدد الأفراد بمعدل يفوق عشرة أضعاف مقارنة بخدمة الحدود التقليدية، بينما تزداد سرعة الاستجابة فعليًا.
الفنيون المتخصصون — يتولون صيانة البنية التحتية المادية للجدار وأنظمة المراقبة، وسنتناول هذا الجانب في سؤال منفصل.
المحللون — يعملون على البيانات المتراكمة، ويحدّدون أنماط الانتهاكات، ويحدّثون خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ويتنبأون بنقاط الخطر. وهذا نوع جديد كليًا من قوى الحدود، لم يكن موجودًا سابقًا إلا في صورة وحدات استخباراتية صغيرة.
قوات الاستجابة السريعة — للتعامل مع الحوادث الجسيمة على مستوى الاختراق المسلح. تدريب بمستوى الجيش، ومواقع انتشار تتيح الوصول إلى أي نقطة على الحدود في أقل وقت ممكن.
الأمن السيبراني — وحدة كبيرة مستقلة، سنتناولها في السؤال التالي.
التحول الجوهري هو أن خدمة الحدود تتوقف عن كونها مجرد قوة حراسة، لتصبح فرعًا عسكريًا عالي التقنية، أقرب في منطقه إلى سلاح الجو والفضاء منه إلى حرس الحدود التقليدي. عدد أفراد أقل، وتأهيل أعلى، وفعالية لا تُقارن.
إذا كانت الحدود الوطنية بأكملها تُدار من خلال مركز رقمي واحد، فماذا يحدث في حال وقوع هجوم إلكتروني؟ ألا يؤدي هذا إلى شلّ منظومة الدفاع بأكملها بضربة واحدة؟
هذا هو السؤال الأخطر في الجانب التقني للمشروع، وهو يتطلب بالفعل بنية دفاعية مخصصة له.
المبدأ الأساسي هو أن حلقة التحكم الحرجة معزولة فيزيائيًا عن الإنترنت تمامًا. لا يوجد أي اتصال بشبكات خارجية، من أي نقطة كانت. هذا ليس مجرد "حماية بجدار ناري" — بل عزل كهربائي كامل للمعدات. مهاجمة النظام عبر الشبكة أمر مستحيل، لأنه لا توجد أصلًا شبكة تربطه بالعالم الخارجي.
كما لا يوجد مركز قيادة واحد فقط، بل عدة مراكز موزعة جغرافيًا، وكل واحد منها قادر على تولي زمام التحكم في أي لحظة. فإذا تعطّل أحدها لأي سبب — هجوم إلكتروني، تدمير مادي، عطل في المعدات — يستمر النظام في العمل دون انقطاع. وهذا هو نفس المنطق الذي تقوم عليه شبكة الإنترنت وشبكات الاتصال المحمول والبنية التحتية المصرفية: المتانة عبر التوزيع.
وداخل النظام، تُستخدم بنية مزدوجة الحلقات. حلقة تتولى القرارات التشغيلية الآنية ولا تملك أي قدرة على إرسال بيانات إلى الخارج. أما الحلقة الثانية فتستقبل البيانات لأغراض التحليل، لكنها لا تستطيع التحكم في الأنظمة المادية. والاتصال بين الحلقتين أحادي الاتجاه، على مستوى العتاد نفسه. حتى لو تمكّن مهاجم من اختراق حلقة التحليل، فلن يحصل على أي صلاحية للتحكم.
أما الحماية من التهديدات الداخلية فهي مهمة منفصلة. فأي إجراء حرج يتطلب تأكيدًا من عمليّين اثنين. مع دخول بالبصمة الحيوية، ومراقبة مستمرة، وتناوب دوري للموظفين. هذا هو معيار المنشآت النووية، لا معيار أنظمة الدفاع العادية.
وفيما يخص الحماية من النبضة الكهرومغناطيسية (EMP) — فالمعدات محصّنة وفق المعايير العسكرية. وهذا مهم ليس فقط بسبب احتمال ضربة نووية افتراضية، بل أيضًا بسبب الصواعق العادية.
كما يتوفر إمداد طاقة ذاتي عبر محطات طاقة شمسية ومفاعلات صغيرة احتياطية — دون أي اعتماد على شبكة الكهرباء الخارجية.
وتُجرى مراجعات أمنية مستقلة بشكل دوري على يد خبراء إسرائيليين ودوليين، بما في ذلك من خلال برامج "القبعات البيضاء" — التي تدعو قراصنة محترفين للبحث عن الثغرات مقابل مكافأة. وهذه ممارسة معتادة في صناعة الأمن السيبراني الإسرائيلية.
والخلاصة هي التالية: الجدار وجهازه العصبي الرقمي ليسا نقطة فشل واحدة، بل شبكة موزعة بطبقات متعددة من التكرار الاحتياطي. يمكن مهاجمته، لكن كلفة مهاجمته أعلى بمراتب من الضرر المحتمل، كما أن الهجوم نفسه يصبح مكشوفًا قبل وقت طويل من أن يتمكن من تغيير أي شيء.
يعتمد الجدار على الإلكترونيات والمستشعرات والذكاء الاصطناعي. ماذا لو اختلّت إمدادات الطاقة؟ غيوم مطوّلة، أو تخريب، أو هجوم على الشبكة — هل يُصاب الجدار بالعمى؟
لن يُصاب بالعمى، والسبب هو ذاته المتعلق بالحماية من الهجمات السيبرانية: لا وجود لنقطة فشل وحيدة.
إمداد الطاقة الرئيسي مركّب لا مفرد. فألواح Tesla الشمسية من الدرجة التجارية تغطّي الحمل النهاري في ظروف تتوافر فيها الشمس دائمًا تقريبًا. وتضيف عنفات الرياح من Siemens Gamesa قدرةً حيثما يسمح بذلك جهد الرياح، بما في ذلك ليلًا وفي الطقس الغائم. وحتى عند هذا المستوى، لا يعني تعطّل مصدر واحد تعطّل المنظومة: فاليوم الغائم لا يُلغي الرياح، والليلة الساكنة الرياح لا تُلغي الشحنة الشمسية المتراكمة خلال النهار.
وتعالج طبقة الاحتياط تحديدًا السيناريو الأكثر إثارةً للقلق: ماذا لو تعذّر المصدران المتجددان معًا في آنٍ واحد، أو جرى تعطيلهما فيزيائيًا بالتخريب. ولهذا الغرض تُنصب على طول المحيط مفاعلات مصغّرة من طراز Westinghouse eVinci، وهي وحدات نووية مدمجة تعمل ذاتيًا ولا تعتمد لا على الطقس، ولا على شبكة خارجية، ولا على لوجستيات الوقود لسنوات مقبلة. وهو المبدأ ذاته للتكرار المعتمد في مراكز القيادة ضمن منظومة الأمن السيبراني: إذا توقّف مسار، يتولّى آخر الحمل دون توقف.
والهجوم على إمداد الطاقة في مقطع واحد لا يُطفئ المقاطع المجاورة. إذ يُصمَّم كل قطاع من الجدار باستقلالية محلية، قادرة على العمل دون اتصال بالشبكة المركزية. وأي مخرّب يريد إطفاء الجدار سيتعيّن عليه تعطيل عشرات العُقد المستقلة فيزيائيًا في آنٍ واحد وعلى امتداد الخط البالغ 1,115 كيلومترًا، لا محوّلًا واحدًا في نقطة ما.
والفكرة الرئيسية هي ذاتها كما في حالة البيانات: المتانة عبر التوزيع. فطاقة هذا الجدار مُنظَّمة بالقدر نفسه من التكرار الذي نُظِّم به جهازها العصبي الرقمي، وللسبب ذاته.
القدس
كيف يدخل الناس إلى المنطقة الدينية؟ وكيف يخرجون منها دون أن يجدوا أنفسهم على أرض الدولة الأخرى؟
يقوم الدخول على مبدأ الممرات المغلقة. هناك قطارات تحت أرضية تصل إلى المنطقة من إسرائيل ومن فلسطين، كل منها من محطتها الخاصة على جانبها الخاص. وهذه الممرات متصلة فعليًا بالدولة التي تنطلق منها فقط. يمكنك دخول المنطقة الدينية من أي من الجانبين، لكن الممر تحت الأرضي لا يسمح لك بالخروج إلا من حيث أتيت.
هذا يعني أن الإسرائيلي القادم بالقطار لا يمكنه العودة إلا إلى إسرائيل. والفلسطيني لا يمكنه العودة إلا إلى فلسطين. لا يوجد عبور من دولة إلى أخرى عبر المنطقة الدينية بواسطة الطريق تحت الأرضي.
أما السياح والحجاج ورعايا الدول الأخرى، فبإمكانهم الدخول من أي من الجانبين، سواء عبر إسرائيل أو عبر فلسطين. وإذا كان الشخص حاملًا لتأشيرتي الدخول معًا، يمكنه الدخول إلى المنطقة من إسرائيل، وزيارة الأماكن المقدسة، ثم الخروج عبر المعبر الحدودي السطحي، ومواصلة رحلته وهو بالفعل في فلسطين، عبر الطريق الرسمي. فالحدود لا تزال قائمة، والإجراءات لا تزال معمولًا بها، ولا تنشأ أي طرق مختصرة لمجرد زيارة المنطقة.
المعابر السطحية هي نقاط حدودية كاملة بكل ما يلزم من فحوصات، تمامًا كأي حدود دولية. فالإسرائيلي يحتاج إلى تأشيرة لدخول فلسطين، والفلسطيني يحتاج إلى تأشيرة أيضًا لدخول إسرائيل. المنطقة الدينية لا تخلق أي مسارات مبسطة على الإطلاق.
والنتيجة هي منطقة متكافئة المسافة حقًا بين الجانبين. فمن المستحيل عمليًا أن تتحول إلى ثغرة للتسلل، أو إلى أداة يستخدمها طرف للضغط على الآخر.
ماذا عن السكان الحاليين في البلدة القديمة؟ هل سيُطردون؟ وهل سيُعوَّضون؟
لا طرد ولا تعويض. من يعيشون اليوم في البلدة القديمة — في الحي الإسلامي واليهودي والأرمني والمسيحي — يبقون في أماكنهم تمامًا كما هي. عائلاتهم تعيش هناك منذ أجيال، بل منذ قرون في بعض الأحيان، والمشروع يتبنى موقفًا واضحًا مفاده أن هذا الاستمرار لا يجوز المساس به.
ما يتغيّر هو الوضع الإداري فقط. يحتفظ السكان بجنسيتهم الحالية، إسرائيلية كانت أم فلسطينية، ويحصلون إضافةً إلى ذلك على صفة الإقامة في المنطقة الدولية. تمنح هذه الصفة الحق في الإقامة الدائمة والعمل وتنظيم شؤونهم الدينية والمجتمعية. وداخل المنطقة، القواعد يضعها المجلس الدولي، لا القانون الإسرائيلي ولا الفلسطيني.
أقرب سابقة عملية لهذا النموذج هي الفاتيكان. فسكان الفاتيكان يحملون جنسية خاصة بدويلة مصغّرة لا تُلغي جنسيتهم الأصلية، وهي مرتبطة بدورهم: يخدمون الكنيسة ويعيشون على أرضها. المنطق نفسه ينطبق هنا.
هذه الصفة لا تُورَّث تلقائيًا. يمكن لأبناء المقيمين الحصول عليها إذا استمروا في العيش داخل المنطقة وظلوا مرتبطين بنشاطها. أما إن لم يكن الأمر كذلك، فهم يرثون جنسية آبائهم الأساسية فقط. وهذا يحمي المنطقة من أن تتحول إلى جيب مغلق يُتوارث، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نمط حياة من يعيشون ويعملون فيها فعليًا.
من المسؤول هناك؟ "مجلس الممثلين الدينيين" عبارة جميلة، لكن في الواقع سيضم يهودًا ومسلمين ومسيحيين في آن واحد. فصوت من يحسم الأمر؟
لا أحد. وهذا ليس عيبًا في النموذج — بل هو مكمن قوته الأساسية.
ثمة سابقة تعمل بنجاح منذ 170 عامًا، وفي قلب البلدة القديمة نفسها. فكنيسة القيامة يديرها بشكل مشترك ست طوائف مسيحية: الروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والأقباط، والإثيوبيون، والسريان الأرثوذكس. ولا واحدة منها تملك صوتًا حاسمًا. كل طائفة تتحكم بقسمها الخاص، وكنائسها الصغيرة، ومواعيد صلواتها. وأي قرار يخص المساحات المشتركة يستلزم موافقة الجميع. هذا الترتيب، المعروف بـ"الوضع القائم" (Status Quo)، أرساه مرسوم سلطاني عثماني عام 1852، ولم يتغير منذ ذلك الحين.
وأكثر تفصيل دالّ في هذه القصة هو مفاتيح الكنيسة. فمنذ القرن الثاني عشر، ظلت هذه المفاتيح بحوزة عائلتين مسلمتين مقدسيتين، هما عائلة جودة وعائلة نسيبة. لا لأن المسلمين هم المتحكمون، بل لأن الطوائف المسيحية لا تثق ببعضها البعض لدرجة أنها فضّلت أن يكون الحارس طرفًا محايدًا. فمنذ ما يقارب تسعة قرون، يفتح مسلمون كل صباح أقدس مكان في المسيحية.
ويمكن للمنطقة الدينية أن تعمل بالطريقة ذاتها. فكل طائفة تملك أوقافها الخاصة. ولكل منها حق النقض (الفيتو) على أي أمر يمسّ مقدساتها. أما القرارات المشتركة فتُتخذ بالتوافق، والحالات الخلافية تُحال إلى حكام محايدين (ودور الأمم المتحدة هنا يماثل دور حراس المفاتيح المسلمين).
الأمر بطيء. وغير كفؤ. وأحيانًا يستغرق قرنًا كاملًا للاتفاق على إصلاح سقف. لكنه ينجح: ففي 170 عامًا، لم تبتلع أي طائفة من الطوائف الست طائفة أخرى، ولم تعلن الكنيسة حكرًا عليها وحدها. وعند تطبيق هذا على القدس، فهذا بالضبط هو المغزى المنشود.
من يوفر الأمن في المنطقة الدينية؟ شرطة من تعمل هناك، ومن المسؤول عن النظام؟
لا هذه الدولة ولا تلك من الدولتين الجارتين. أمن المنطقة توفره قوات دولية بتفويض من الأمم المتحدة، على غرار الحرس السويسري في الفاتيكان. إنها وحدة صغيرة ومحترفة، تُجنَّد من دول محايدة، ومدرَّبة خصيصًا للتعامل مع الأماكن المقدسة وحركة الحجاج. ليسوا قوات حفظ سلام بالخوذات، بل حرس مدينة.
أما النظام الداخلي داخل الأماكن المقدسة نفسها فيبقى بيد القيّمين التقليديين عليها. الأوقاف تواصل إدارة الحرم القدسي الشريف، والخدمات الحاخامية تتولى حائط البراق، ومفاتيح كنيسة القيامة تبقى بيد عائلتَي جودة والنسيبة المسلمتين، كما كان الحال طوال الثمانمئة عام الماضية. الحرس مسؤول عن المنطقة خارج الأماكن المقدسة — المحيط والفضاءات العامة. ولا يدخل الأراضي الطائفية.
تُكفل الشفافية عبر نظام مراقبة مزدوج الوصول. لكل من إسرائيل وفلسطين وصول دائم إلى الكاميرات وضوابط الدخول والخروج. يستطيع كل طرف رؤية كل ما يجري في المنطقة والتأكد من أن لا شيء يهدد مواطنيه أو أماكنه المقدسة.
وفي حال وقوع حادث خطير يفوق قدرة الحرس — هجوم إرهابي، اضطرابات واسعة — يُطبَّق إجراء طلب المساعدة. يمكن للحرس أن يطلب الدعم من إسرائيل أو فلسطين عبر قناة رسمية. لكن لا أحد يدخل المنطقة دون دعوة. هذه قاعدة مطلقة.
قائد الحرس يرفع تقاريره إلى المجلس الدولي والأمم المتحدة — لا إلى إسرائيل ولا إلى فلسطين. وكلما قلّ تدخل الدولتين فيما يجري داخل المنطقة، ازداد استقرار البنية كلها. وخارجيًا، تُحاط المنطقة بالكامل بالجدار، وخلف الجدار تكون كل من الدولتين محمية بذاتها.
من يدفع تكاليف صيانة المنطقة الدولية؟ من يموّل الحراسة، والبنية التحتية، وأعمال الصيانة؟
المنطقة نفسها. تُموَّل الصيانة من خلال صندوق مخصص، مصدره الرئيسي رسوم الدخول.
تستقبل البلدة القديمة في القدس نحو 5 إلى 6 ملايين سائح وحاج سنويًا. برسم دخول يتراوح بين 10 و15 دولارًا، يجمع الصندوق ما بين 60 و90 مليون دولار سنويًا — تمويل ذاتي مستدام، دون أي اعتماد على جهات مانحة خارجية. وهذا المبلغ كافٍ لتغطية الحراسة، وصيانة البنية التحتية، وأعمال الترميم، مع احتياطي إضافي.
يُدفع الرسم من قِبل جميع الزوار غير المقيمين في المنطقة. لا استثناءات على أساس الدين أو الجنسية — وهذا ما يزيل أي جدل حول التمييز. أما السكان المحليون المتوجهون إلى أماكن عبادتهم الخاصة، فيمرّون مجانًا بصفتهم مقيمين.
يدير الصندوق لجنة مالية تابعة للمجلس الدولي، مع تدقيق خارجي مستقل. وأي عجز، إن وُجد، تتم تغطيته بشكل تناسبي من قِبل أعضاء المجلس. أما أي فائض، فيُضاف إلى صندوق ترميم المواقع المقدسة. وجميع التقارير علنية ومتاحة للعموم.
إنه المنطق نفسه المتّبع في الفاتيكان أو كبرى المواقع الدينية حول العالم: الزوار يدفعون مقابل الحفاظ على ما جاؤوا لرؤيته. أما الدول المحيطة بالمنطقة، فلا تتحمل أي عبء مالي، ولا تحصل في المقابل على أي نفوذ مالي.
ماذا عن إمدادات المنطقة — الغذاء والماء ومواد البناء؟ عبر أي قناة؟
عبر المعابر الحدودية البرية الاعتيادية. تضم المنطقة عدة نقاط تفتيش رسمية للبضائع تُطبَّق فيها إجراءات جمركية معيارية، تماماً كأي حدود دولية. ويمكن للموردين من إسرائيل وفلسطين التعامل مع المنطقة، حيث تُعالَج عمليات التسليم وفق الإجراء المعتاد.
أما المياه والكهرباء والاتصالات فتُشترى تجارياً من جهات خارجية. والمنطقة تدفع ثمن كل ما تتلقاه. لا خدمات مجانية من الدول المجاورة، ولا تبعية يمكن استغلالها كورقة ضغط.
وهذا أمر جوهري: فالمنطقة الدولية لا توجد بصفتها طرفاً تابعاً، بل بصفتها شريكاً كامل الأهلية، يسدد نفقاته من موارده الخاصة. وهذا بالتحديد ما يضمن استقلاليتها.
ماذا عن سيارات الإسعاف، ورجال الإطفاء، وخدمات الطوارئ؟ لمن تتبع، ومن أين تأتي؟
خاصة بها. فالمنطقة لديها خدمة إسعاف خاصة بها، وقسم إطفاء خاص بها، وبنية تحتية للطوارئ خاصة بها. هذا جزء من الحزمة الأساسية، وتُموَّل من الصندوق العام للمنطقة.
والمنطق هنا هو ذاته المتبع في مسألة الحراسة: كلما قلّ عدد الخدمات الخارجية الداخلة إلى الإقليم، زاد استقرار البنية. فلا مكان لإيماءات رمزية من نوع "سيارة الإسعاف الإسرائيلية وصلت أولاً" أو "رجال الإطفاء الفلسطينيون أخمدوا الحريق عند موقعنا المقدس". كل شيء يُدار داخلياً.
أما في الحالات التي تفوق القدرة المحلية — كحادث جماعي كبير، أو مريض يحتاج إلى عيادة متخصصة — فيُتّبع الإجراء نفسه المتعلق بطلب المساعدة الذي ذكرناه بشأن الحراسة. تتقدم المنطقة رسمياً بطلب مساعدة من الدول المجاورة، التي ترسل عندئذٍ مواردها وفق بروتوكول متفق عليه. لا أحد يدخل من دون دعوة.
وتظل المستشفيات القريبة في إسرائيل وفلسطين متاحة لسكان المنطقة وزوارها على أساس تجاري، عبر اتفاقيات بين صندوق المنطقة والمؤسسات الطبية. أما مكان علاج الشخص فهو قرار شخصي، لا قرار سياسي.
ماذا لو قرر أحد الطرفين، في مرحلة ما، الانسحاب من الاتفاق؟ حكومة جديدة في إسرائيل أو فلسطين تعلن أن المنطقة غير شرعية — ماذا يحدث حينها؟
لا شيء. تبقى المنطقة تمامًا كما كانت في اليوم السابق.
هذه هي الميزة الأساسية لكونها بنية مادية، لا مجرد ترتيب قانوني. فالمنطقة الدينية محاطة بالكامل من جميع الجهات بالجدار — نفس جدار ميتاترون الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين. لا يمكن "إلغاؤها" أو "سحب الاعتراف بها" أو "استعادتها" بتصريح سياسي. فالخرسانة لا تتفاعل مع البيانات الصحفية.
إذا أراد أحد الطرفين خرق الاتفاق، فسيتعيّن عليه اقتحام الجدار فعليًا. وهذا لم يعد قرارًا سياسيًا — بل عملية عسكرية ضد موقع تحرسه قوة دولية بتفويض من الأمم المتحدة، وله قيمة رمزية عالمية. وستكون كلفة مثل هذه العملية على المعتدي كارثية: دبلوماسيًا واقتصاديًا وعلى صعيد السمعة.
هذا هو بيت القصيد من بناء المنطقة مع الجدار، لا بمعزل عنه. فالجدار ليس فقط دفاعًا لإسرائيل عن فلسطين، بل هو أيضًا دفاع عن الموقع المقدس منهما معًا.
إذن، في إطار مشروعكم، حتى المسلمون من الدول المعادية لإسرائيل سيحصلون على إمكانية الوصول إلى المسجد الأقصى؟
نعم، وهذا ليس أحد الآثار الجانبية، بل هو نتيجة مباشرة لطريقة بناء المنطقة.
اليوم، يُحرَم مواطن من إيران أو باكستان أو إندونيسيا أو عشرات الدول الأخرى، فعلياً، من دخول المسجد الأقصى، ليس لأن المسجد نفسه غير متاح، بل لأن الطريق إليه يمر عبر الحدود الإسرائيلية. فإسرائيل ببساطة لا تملك قنصلية في غالبية هذه الدول، لذا لا توجد غالباً حتى جهة يمكن التقدّم إليها بطلب تأشيرة. وحيثما توجد قناة دبلوماسية، كثيراً ما تحظر حكومة المسافر نفسها السفر إلى إسرائيل تماماً أو تخلق مشاكل لمواطنيها عند عودتهم. أما أهالي غزة، فقد أمضوا سنوات دون الحصول على تصاريح لدخول القدس على الإطلاق.
تحتوي المنطقة الدينية على نقطتَي دخول مستقلتين: عبر إسرائيل وعبر فلسطين. فالحاج القادم من دولة لا تعترف بإسرائيل لم يعد بحاجة إلى تأشيرة إسرائيلية، إذ تكفيه تأشيرة فلسطينية. والقطار القادم من فلسطين ينقله مباشرة إلى داخل المنطقة، إلى المسجد الأقصى نفسه، دون أي نقطة تماس مع الحدود الإسرائيلية.
هذا يعكس تاريخ الحائط الغربي. فبين عامي 1948 و1967، مُنع اليهود من الوصول إلى أقدس مواقعهم لأن الطريق المؤدي إليها كان يمر عبر دولة معادية. واليوم يحدث الشيء نفسه لملايين المسلمين فيما يتعلق بالمسجد الأقصى، ولكن مع انعكاس الأدوار.
هذا مشروع أمني، ويجب قول ذلك بوضوح. فكل نقطة توتر ديني أو قومي لم تُحَل هي فتيل محتمل لهجوم أو تعبئة أو عمل إرهابي يُنفَّذ باسم العدالة. وكلما قلّ عدد هذه النقاط على الخريطة، وكلما تمكّن المشروع من نزع فتيلها عبر الهندسة بدلاً من انتظار السياسة أو الحرب لتفعل ذلك، ارتفع مستوى أمن إسرائيل الفعلي. إنّ الوصول الحرّ إلى المسجد الأقصى لمسلمي العالم أجمع يزيل واحدة من أقدم المظالم القائمة وأكثرها استغلالاً. هذه ليست لفتة حسن نية، بل هي تهديد أُزيل.
مرتفعات الجولان
لماذا إعادة الجولان أصلاً؟ إسرائيل تسيطر عليه منذ 60 عاماً، وضمّته عام 1981. فلماذا التخلي عنه الآن؟
سؤال وجيه، ويستحق إجابة مباشرة. على مستوى الواقعية السياسية البحتة، تستطيع إسرائيل الاحتفاظ بمرتفعات الجولان ما دامت راغبة في ذلك. لن يستعيدها أحد بالقوة. فمن الناحية الديموغرافية أصبحت المنطقة مندمجة تقريباً بالكامل، وكذلك اقتصادياً، أما من الناحية العسكرية-الاستراتيجية فهي تمنح إسرائيل تفوقاً على دمشق.
لكن هناك ثلاثة أسباب تستدعي النظر في هذه المسألة بجدية.
القانون الدولي. لقد أدان مجلس الأمن الدولي ضمّ عام 1981 بموجب القرار رقم 497، الذي اعتبره "لاغياً وباطلاً". ومنذ ذلك الحين، لم تعترف أي دولة في العالم بالسيادة الإسرائيلية على الجولان سوى الولايات المتحدة عام 2019. هذا ليس كارثة، لكنه عبء دبلوماسي دائم. فكل اتفاق دولي، وكل صفقة تجارية، وكل مبادرة تطبيع مع الدول العربية تصطدم بهذه المسألة.
الاستدامة. السيطرة على أرض محتلة تتطلب وجوداً عسكرياً دائماً، وتكاليف دائمة، واستعداداً مستمراً لأي تصعيد. هذا ليس كارثة، لكنه ثمن ما فتئت إسرائيل تدفعه منذ عقود. وحسم هذه المسألة نهائياً يحرر موارد ويزيل واحدة من البؤر الملتهبة في المنطقة.
الفرصة الاستراتيجية. سوريا اليوم في وضع مختلف جذرياً. ثلاثة عشر عاماً من الحرب الأهلية، وسقوط نظام الأسد، وانهيار اقتصادي شامل. لم تعد هذه هي الدولة التي كانت تقصف المستوطنات الإسرائيلية من المرتفعات عام 1967. إنها اليوم دولة بحاجة إلى إعادة بناء نفسها. ولعله للمرة الأولى منذ نصف قرن، تنفتح نافذة لحوار لا يكون فيه الجولان غاية بحد ذاته، بل جزءاً من حزمة أشمل.
مشروع ميتاترون لا يصر على إعادة الجولان. إنه يوجد آلية تجعل الإعادة ممكنة إذا رغب الطرفان معاً في ذلك، ومستحيلة إذا لم يكن أحدهما مستعداً. هذا ليس تنازلاً وليس ضغطاً — إنه أداة.
لماذا لا يشمل الجدار مرتفعات الجولان؟ فهي موقع استراتيجي مرتفع تحتفظ به إسرائيل منذ 60 عامًا. أليس من المنطقي إغلاقه بجدار على الجانب السوري من الجولان؟
هذا قرار متعمَّد في المشروع. يسير الجدار بدقة على خط عام 1967، دون أي استثناء. وتبقى مرتفعات الجولان على الجانب السوري منه.
هذه ليست مسألة شكلية، بل موقف سياسي. فالجدار هو الجسم المادي الوحيد الذي يحدد بوضوح أين يقع حدود إسرائيل بموجب القانون الدولي. فلو شمل الجدار الجولان، لتوقف عن كونه جدارًا على الحدود المعترف بها، وتحوّل إلى جدار على خط السيطرة الفعلية. وهذا كان سيغيّر المنطق الدولي للمشروع بأكمله.
بالتزام إسرائيل بخط عام 1967، فإنها تحقق عدة أمور في آنٍ واحد.
فهي لا تغلق الباب أمام اتفاق مستقبلي مع سوريا. فالجدار لا يعلن أن الجولان ملك دائم لإسرائيل، بل يترك المسألة مفتوحة ببساطة.
كما يعزز ذلك الشرعية الدولية للمشروع، لأنه لا يخلط بين البنية التحتية الدفاعية والنزاعات الإقليمية.
ويُرسي هذا الأساس المادي لبروتوكول أوقت التشغيل (Uptime Protocol). فإذا استوفت سوريا الشروط وأُعيد الجولان، سيكون الجدار قائمًا بالفعل في الموضع الصحيح، ولن تكون هناك حاجة لهدم أي شيء أو إعادة بنائه.
ولا يتأثر أمن إسرائيل على جبهة الجولان في هذه الأثناء. فالجولان يبقى تحت الإدارة الإسرائيلية إلى أن تتحقق شروط الإعادة. وتبقى البنية العسكرية والاستخباراتية وأنظمة الإنذار المبكر كلها في مكانها. الأمر الوحيد الذي يتغير هو الوضع القانوني: فالجولان ليس جزءًا من إسرائيل بحكم خط الجدار، بل هو أرض خاضعة لنظام خاص ريثما يتم التسوية النهائية.
والمفارقة أن جدارًا لا يشمل الجولان هو ما يجعل إعادته ممكنة. أما جدار يشمل الجولان فسيجعل إعادته أمرًا شبه مستحيل. وهذا اختيار متعمَّد.
هل جرت في السابق محاولات للتفاوض على الجولان مع سوريا؟ وكيف انتهت؟
نعم، جرت محاولات، واقترب الطرفان من التوصل إلى اتفاق أكثر من مرة.
كانت المحاولة الجادة الأولى مفاوضات 1999-2000 بين رئيس الوزراء إيهود باراك والرئيس حافظ الأسد، بوساطة الرئيس كلينتون. عُقد الاجتماع الرئيسي في يناير 2000 في شيبردستاون بولاية فرجينيا الغربية، بحضور نحو 520 شخصاً من الجانبين، من بينهم خبراء قانونيون ومساحون وعلميون. وقبل الجانب الإسرائيلي رسمياً مبدأ الانسحاب من هضبة الجولان في إطار اتفاق سلام يحل في آنٍ واحد أربع قضايا رئيسية. لكن كل شيء انهار في لقاء كلينتون بالأسد في جنيف في مارس 2000، حين تبيّن أن الطرفين لا يستطيعان الاتفاق على الموقع الدقيق لخط 4 يونيو 1967. كان التباين لا يتجاوز بضع مئات من الأمتار على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا، لكنه أثبت أنه عقبة لا يمكن تجاوزها.
أما المحاولة الثانية فجاءت عام 2008، بين رئيس الوزراء إيهود أولمرت وبشار الأسد (ابن حافظ)، بوساطة رئيس الوزراء التركي أردوغان. بدأت محادثات غير مباشرة في مايو 2008 برعاية تركية؛ وأعلن الأسد علناً أن محادثات السلام لن تكون ممكنة إلا بشرط عودة كامل الجولان، فيما أشارت إسرائيل عبر الوسطاء الأتراك إلى استعدادها لمبادلة "الأرض مقابل السلام". اقتربت هذه المحادثات من النجاح، لكنها توقفت حين استقال أولمرت في خضم تحقيق بقضايا فساد. ولم تتمكن خليفته تسيبي ليفني من الحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم، ثم وصل نتنياهو إلى السلطة مطلع عام 2009، فتجمدت المفاوضات مع سوريا نهائياً.
والمهم في هاتين الحلقتين: أولاً، أن إسرائيل سبق أن أعطت موافقتها المبدئية على إعادة الجولان، مرتين، وتحت حكومتين مختلفتين. فهذا ليس موقفاً نظرياً، بل سجل تفاوضي حقيقي. ثانياً، انهارت المحادثات في المرتين لا بسبب الجولان نفسه، بل بسبب التفاصيل — خط الحدود الدقيق والظروف السياسية الداخلية. وهذا يعني أن التسوية المبدئية ممكنة، متى تهيأت الظروف المناسبة. ثالثاً، اتبعت المحاولتان كلتاهما نمط "الأرض مقابل السلام" — أي مبادلة تُعقد مرة واحدة على أساس المصافحة. وهذا بالضبط ما عمل ضدهما، لأن الثقة التي تُمنح دفعة واحدة لا تصلح في هذه المنطقة.
يحاول بروتوكول الاستمرارية (Uptime Protocol) تحقيق الشيء نفسه بطريقة مختلفة. فبدلاً من مبادلة تُعقد مرة واحدة، يقترح آلية ممتدة عبر الزمن، تُبنى فيها الثقة تدريجياً وتُختبر بالوقائع لا بالتصريحات.
هل تحتاج سوريا أصلًا إلى الجولان اليوم؟ ربما كل ما تحتاجه هو المال والاستثمار؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة للاهتمام في هذا الموضوع برمّته، والإجابة الصادقة هي: لا أحد يعرف على وجه اليقين، لكن الكثير قد تغيّر.
تاريخيًا، كان هضبة الجولان عنصرًا محوريًا في السردية الوطنية السورية. لقد شكّل "تحرير الأراضي المحتلة" ركيزة أساسية لشرعية نظام الأسد طوال خمسين عامًا. كل خطاب، وكل كتاب مدرسي، وكل بيان في السياسة الخارجية كان يستحضر الجولان بوصفه ظلمًا لا بد من تصحيحه. هذا ما كان يعبّئ المجتمع ويبرر وجود النظام العسكري.
الوضع اليوم مختلف جذريًا. مرّت سوريا بثلاثة عشر عامًا من الحرب الأهلية التي دمّرت بنيتها التحتية واقتصادها ونسيجها الاجتماعي. سقط نظام الأسد في ديسمبر 2024. وها هي قوى مختلفة تمامًا تتولى الحكم اليوم، وتواجه أولويات مختلفة تمامًا. إعادة إعمار البلاد تتطلب عشرات، إن لم يكن مئات، المليارات من الدولارات. الكهرباء لا تتوفر إلا لساعات قليلة في اليوم. البطالة كارثية. وملايين اللاجئين في الخارج ينتظرون ظروفًا تسمح لهم بالعودة.
في ظل هذا الوضع، قد يبدو هضبة جبلية يقطنها خمسون ألف مستوطن إسرائيلي، ذات بنية تحتية متطورة وكروم عنب، أقل أهمية كأولوية وطنية، وأكثر فائدة كورقة ضغط لحل مشكلات أكثر إلحاحًا بكثير. فإذا أمكن تحويل مسألة إعادة الجولان إلى حزمة متكاملة — تشمل اعترافًا دوليًا بالقيادة السورية الجديدة، واستثمارات في إعادة الإعمار، ووصولًا إلى التكنولوجيا والأسواق، ورفعًا للعقوبات — فقد تكون تلك الحزمة أثمن بكثير من الأرض نفسها.
وقد شهد التاريخ منطقًا مشابهًا من قبل. فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تخلّت عن مطالبها الإقليمية مقابل الاندماج في أوروبا. واليابان تخلّت عن ساخالين وجزر الكوريل مقابل تحالف مع الولايات المتحدة في المحيط الهادئ. ليس لأن هذه الدول توقفت عن الاهتمام بأراضيها، بل لأن إعادة الإعمار والتنمية أصبحتا الأولوية.
لا أحد يزعم أن الجانب السوري يفكر فعليًا بهذه الطريقة. فمن الممكن تمامًا أن تُصرّ السلطات السورية الحالية على العودة غير المشروطة، تعزيزًا لشرعيتها. وهذا أمر يجب اختباره عبر مفاوضات حقيقية، لا عبر افتراضات. لكن، ولربما للمرة الأولى منذ نصف قرن، ثمة فرصة واقعية لحل مسألة الجولان لا بوصفها قضية محصلتها صفر، بل كجزء من حزمة أشمل.
ويمنح بروتوكول أوبتايم هذه الفرصة صيغة عملية. فإذا كان الجانب السوري مستعدًا فعلًا لنهج عملي وواقعي، بإمكانه أن يبدأ بخطوة لا تكلفه شيئًا سياسيًا على الإطلاق: ثلاث سنوات من الهدوء على الحدود. أما إذا لم يكن مستعدًا، فببساطة لن تبدأ الساعة، ويبقى الجولان مع إسرائيل، دون أي جدال.
ما هو "بروتوكول التشغيل المتواصل"؟ ومن أين جاءت هذه التسمية؟
المصطلح مستعار من عالم تقنية المعلومات. "Uptime" هو مقدار التشغيل المتواصل الخالي من الأعطال لأي نظام. وبالنسبة للخوادم، يُقاس بـ"التسعات": فنسبة 99.9% تعني توقفاً لا يتجاوز بضع ساعات في السنة، بينما 99.999% تعني توقفاً لا يتجاوز بضع دقائق. وكلما ارتفعت نسبة التشغيل المتواصل، زادت موثوقية النظام. وأي عطل يعيد العداد إلى الصفر، ويفرض بدء القياس من جديد.
والمقارنة هنا دقيقة تماماً. فالأمن على الحدود يعمل تماماً كنظام الخوادم: إما أن يكون خالياً من الأعطال تماماً، أو لا يكون. فحادثة واحدة لم تعد تعني "شبه خالٍ من الأعطال" — بل تعني عطلاً بكل ما للكلمة من معنى. وكما هو الحال في عالم التقنية، فإن الثقة بالنظام تُبنى على سجل طويل من التشغيل المتواصل الخالي من الأعطال، لا على الوعود والتصريحات.
وآلية العمل هي كالتالي: تعلن إسرائيل رسمياً استعدادها لإعادة مرتفعات الجولان، لكن بشرط واحد: مرور ثلاث سنوات كاملة دون أي حادثة على الحدود من الجانب السوري. فأي قصف، أو تسلل، أو استفزاز، أو عمل إرهابي — أي خرق من هذا القبيل يعيد العداد إلى الصفر. ويبدأ العد التنازلي من جديد، دون نقاش ودون استثناءات.
ولهذا المخطط ميزتان.
الأولى، أن إعادة الأرض تصبح نتيجة أمن مُثبَت فعلياً، لا ثمرة نوايا حسنة أو ضغوط. فالحجة الرئيسية اليوم للاحتفاظ بالجولان هي أن سوريا غير قادرة على السيطرة على جانبها من الحدود. والبروتوكول يزيل هذه المسألة من أساسها: فإما أن تكون قادرة أو لا تكون، ولا يُتحقق من ذلك بالكلام، بل بثلاث سنوات من الإحصائيات الفعلية.
الثانية، أن إسرائيل لا تُقيّد نفسها بجدول زمني محدد. فإذا استمرت الاستفزازات، يبقى الجولان بيد إسرائيل إلى أجل غير مسمى، وكل خرق سوري يؤجل بذاته موعد الإعادة. وهذا ليس تنازلاً، بل آلية مشروطة بقواعد واضحة.
وقد اختير اسم "بروتوكول التشغيل المتواصل" عمداً ليبدو تقنياً وبعيداً عن السياسة. فهو ينزع العنصر العاطفي من المفاوضات، وينقل النقاش إلى لغة المقاييس الموضوعية. فالمطلوب ليس "أن تثبت أنك شريك جيد"، بل "أن تُظهر تشغيلاً متواصلاً وخالياً من الأعطال للنظام".
من يقرر ما إذا كان الحادث قد وقع فعلًا أم لا؟ سوريا ستقول إنه استفزاز إسرائيلي. وإسرائيل ستقول إنه تسلل من الجانب السوري. فمن يحكم بينهما؟
هذا هو السؤال العملي الأصعب، وبدون إجابة صادقة عليه لا يمكن للبروتوكول بأكمله أن يعمل.
الفصل في هذه المسائل لا يمكن أن يكون بيد أيٍّ من الطرفين المعنيَّين. فإسرائيل لا يمكنها أن تكون الجهة التي تقرر وقوع الحادث، وسوريا لا يمكنها أن تكون الجهة التي تنكره. في كلتا الحالتين تتحول الآلية فورًا إلى أداة للتوظيف السياسي، وتنهار الثقة بها.
الحل هو بعثة رصد دولية مستقلة، متمركزة بشكل دائم في المنطقة الحدودية. والمرشح الطبيعي لذلك هو تحديث تكليف قوة "الأندوف" (UNDOF)، بعثة مراقبي الأمم المتحدة العاملة في الجولان منذ عام 1974. ويحتاج تشكيلها وصلاحياتها وتجهيزاتها التقنية إلى توسيع جوهري: نقاط مراقبة دائمة على طول الحدود بأكملها، أنظمة رصد مستقلة يمكن للطرفين الوصول إليها، خط اتصال مباشر مع كلتا العاصمتين، وتقارير علنية شهرية.
التكنولوجيا تجعل عملية الفصل في النزاعات أكثر شفافية بكثير مما كانت عليه في العقود الماضية. مراقبة بالأقمار الصناعية في الزمن الحقيقي، مستشعرات زلزالية وصوتية، طائرات مسيّرة، وتحديد بيومتري لهوية كل من يعبر الحدود. في ظل هذه الظروف، تُسجَّل واقعة الحادث ومصدره وطبيعته بشكل موضوعي، لا يُفسَّر بعد وقوعه. فإذا انطلقت قذيفة من سوريا، فذلك مسجَّل. وإذا دبَّرت إسرائيل شيئًا، فذلك مسجَّل أيضًا. والبيانات التقنية تبقى تحت رقابة مشتركة ومتاحة للتحقق.
من المهم أن نفهم أن البروتوكول لا يميز عمدًا بين الحوادث "الكبرى" و"الصغرى". فطلقة واحدة من سلاح خفيف تحمل نفس الوزن الذي تحمله عملية قصف جادة. قد تبدو هذه الصرامة مفرطة، لكنها بالضبط ما يجعل النظام قابلاً للتطبيق. فإدخال تصنيفات للحوادث سيفتح الباب لنزاعات لا تنتهي حول الفئة التي ينتمي إليها كل حادث. أما القاعدة الصارمة — "أي خرق يعيد العداد إلى الصفر" — فتزيل هذه النزاعات من أساسها.
ستظل هناك نزاعات، بطبيعة الحال. فسوريا ستطعن في وقائع الحوادث، وإسرائيل ستطعن في تقييمات البعثة، وكلا الطرفين سيحاول الضغط على المراقبين الدوليين. وهذا أمر طبيعي لا مفر منه. ولكن مع وجود بنية تقنية شفافة، وبعثة محترفة، وتقارير علنية، تبقى هذه النزاعات مجرد ضجيج تفاوضي في الخلفية — لا تُعطِّل الآلية نفسها.
نقطة أخيرة. مجرد وجود البروتوكول يمنح الطرفين حافزًا لعدم افتعال الحوادث. فالسلطات السورية ستضبط مواطنيها وأراضيها بإحكام شديد، لأن أي خطأ قد يؤخر عملية الاستعادة سنوات. وإسرائيل ستكون بالغة الحذر في تصرفاتها قرب الحدود، لأن أي شك بالاستفزاز سيقوّض فورًا الشرعية الدولية للعملية. ومن المفارقات أنه كلما ارتفعت تكلفة الخطأ، قلّت الأخطاء المُرتكَبة.
ماذا عن الإسرائيليين الذين يعيشون في الجولان؟ عددهم خمسون ألفاً، ولديهم بنية تحتية متطورة، ومزارع كروم. ماذا سيحدث لهم؟
هذا هو السؤال الأكثر إيلاماً بالنسبة للجمهور الإسرائيلي، ويجب التعامل معه بأقصى درجات الحذر والعناية.
الوعد الأساسي: لن يُطرَد أحد. تكرار سيناريو غزة عام 2005 مستبعد تماماً في هذا المشروع. أي نقل للجولان إلى السيطرة السورية لن يكون ممكناً إلا بشرط أن يحصل السكان الإسرائيليون على خيار حقيقي وحماية حقيقية — لا أن يُفاجَأوا بانسحاب الدبابات وظهور قوة شرطة أجنبية في شوارعهم.
من الناحية العملية، يُعالَج هذا الأمر عبر عدة آليات.
الانتقال ليس فورياً، بل يمتد على مدى سنوات بعد إتمام بروتوكول التشغيل الكامل (Uptime Protocol). خلال فترة الثلاث سنوات ومرحلة الانتقال التي تليها، يحصل السكان على معلومات كاملة حول مستقبل مجتمعاتهم، وشروط الحياة تحت الولاية الجديدة، وضمانات الملكية والسلامة الشخصية. هذا ليس مفاجأة تُفرض عليهم فجأة، بل عملية مفهومة ذات مراحل يمكن توقعها.
لمن يرغب في المغادرة: برنامج عودة إلى داخل إسرائيل، وفق النموذج نفسه الموصوف في قسم الانتقال الخاص بمستوطني الضفة الغربية. تعويض كامل، وسكن جديد، وبنية تحتية جاهزة، ومساعدة على الاندماج. لا «احزم حقائبك خلال أسبوع»، بل «هذا مستقبلك، اختر وتيرتك وجدولك الزمني».
بالنسبة لمن يريدون البقاء: وضع إقامة خاص يحمي الملكية، وحقوق اللغة، وإمكانية الوصول إلى أنظمة الرعاية الصحية والتعليم الإسرائيلية عبر اتفاقيات خاصة. الأمر معقّد، لكنه قابل للتطبيق. وهناك سوابق: الألبان في كوسوفو، الناطقون بالروسية في دول البلطيق، الألمان في الألزاس. ليست كل سابقة مثالية، لكنها تُظهر أن منح وضع أقلية خاص في بلد جديد ترتيب يمكن أن ينجح.
الضمانات الدولية. أي اتفاق يتعلق بإعادة الجولان سيتضمن التزامات من سوريا والجهات الضامنة الدولية بحماية حقوق السكان الإسرائيليين الباقين في الأرض. وأي انتهاك لهذه الالتزامات سيُفعِّل تلقائياً آليات العقوبات وإعادة النظر في وضع الأرض.
مصانع النبيذ، الكيبوتسات، البنية التحتية — كل ذلك سيبقى في مكانه. الملكية القانونية محمية بموجب الاتفاق. فإذا قرر صانع نبيذ من كاتسرين أنه يريد الاستمرار في صناعة النبيذ تحت علم مختلف وبطاقات جديدة، فله ذلك الخيار. وإذا قرر عكس ذلك، فأمامه برنامج العودة.
ما يجب فهمه بوضوح: المشروع لا يعِد بأن هذا سيكون سهلاً أو مريحاً. الحياة تحت ولاية جديدة هي دائماً خيار صعب، ومن المرجح أن تفضّل نسبة كبيرة من السكان الانتقال إلى إسرائيل. هذا أمر طبيعي، والمشروع مستعد له من حيث الموارد والبنية التحتية. لكن الوعد الذي يقطعه المشروع بثبات هو هذا: كل شخص يتخذ قراره بنفسه، بمعلومات كاملة ودعم كامل من الدولة — لا تحت ضغط الظروف.
المقارنة مع غزة عام 2005 حتمية هنا، ويجب طرحها بصراحة. كان ذلك تسرعاً وعنفاً ومنازل مهجورة وكُنساً مدمرة. لا ينبغي أن يتكرر شيء من هذا هنا. وإذا كان لا بد أن يحدث شيء من هذا القبيل، فمن الأفضل عدم إعادة الجولان على الإطلاق. هذا العنصر من المشروع لا ينجح إلا بشرط أن يُنفَّذ باحترام.
ماذا لو رفضت سوريا ببساطة المشاركة في البروتوكول من الأساس؟ وقالت "لسنا بحاجة إلى شروطكم، فقط أعيدوا لنا الجولان"؟ ماذا بعد؟
عندها يبقى الجولان بيد إسرائيل. ولا داعي لأي دراما في هذا الأمر.
منطق بروتوكول التشغيل المستمر مبني بحيث إن رفض سوريا له لا يخلق أي مشكلة لإسرائيل على الإطلاق. هذا ليس إنذارًا نهائيًا، بل عرضٌ لآلية عمل قابلة للتطبيق. إذا قبلت به سوريا، فهناك طريق للعودة. وإذا رفضته، يستمر الوضع القائم كما هو.
والوضع القائم، من جهته، يخدم مصلحة إسرائيل أكثر بكثير مما يخدم مصلحة سوريا. فالجولان تحت السيطرة الإسرائيلية منذ ما يقارب ستين عامًا. البنية التحتية قائمة، والمواطنون يعيشون هناك، والاقتصاد يعمل. أما سوريا، فتخسر شيئًا مع كل يوم يمر دون تقدم. فكلما طال رفضها للتفاوض، كلما ازداد اندماج الجولان في إسرائيل عمقًا. هذه لا تكافؤية في عامل الزمن، وهي تصب في مصلحة إسرائيل.
وماذا عن المطالبات بـ"إعادته دون قيد أو شرط"؟ هذه المطالبات تُطرح وستستمر في الطرح. لكن لأي حكومة إسرائيلية الحق ذاته في عدم الموافقة على ذلك. فنقل أراضٍ دون قيد أو شرط وبلا ضمانات أمنية يتناقض مع المنطق الأساسي للمصلحة الوطنية.
البروتوكول يحل سيناريو الجمود هذا. فهو يقول لسوريا: نحن لا نطلب اعترافًا بإسرائيل، ولا تطبيعًا، ولا تبادلًا دبلوماسيًا. نطلب شيئًا واحدًا فقط: ثلاث سنوات متتالية دون أي مسوّغ لعمل عسكري. وهذا في مصلحتكم بقدر ما هو في مصلحتنا.
فإذا كان الجانب السوري يريد فعلًا استعادة الجولان، وقادرًا على توفير الأمن، فأمامه طريق مباشر لتحقيق ذلك الهدف. وإذا كان يدّعي أنه يريده لكنه غير قادر على الوفاء بذلك، فالمشكلة ليست في شروط إسرائيل، بل في سوريا نفسها. وإذا كان قادرًا لكنه لا يريد، فذلك خيار سياسي، ويبقى الجولان حيث هو.
الفلسفة الأساسية بسيطة: من الأفضل أن يبقى الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية خمسين عامًا أخرى، على أن يُعاد بطريقة تجعله مجددًا منصة انطلاق للهجمات.
الانتقال
أي عملية إخلاء هي عنف. غزة 2005 أثبتت ذلك بالفعل. فما الذي يجعل "العودة" التي تتحدثون عنها مختلفة جوهرياً؟
كانت صدمة غزة 2005 صدمة بالضبط لأن دولة إسرائيل تصرفت آنذاك كمراهق مصدوم: بشكل مفاجئ، عاطفي، بلا أي تحضير، وتحت ضغط المواعيد النهائية. حصل ثمانية آلاف شخص على أسابيع قليلة فقط لحزم أمتعتهم، ووصل آلاف الجنود بأوامر للإخلاء بأي ثمن، فهُدمت المنازل ودُمرت الكُنُس. لم تكن تلك خطة، بل استسلاماً لجدول زمني فرضته الدولة على نفسها. ولهذا السبب بالتحديد يُتذكر ذلك اليوم على أنه عملية ضد مواطني الدولة نفسها، لا كقرار دولة بالمعنى الحقيقي.
مشروع ميتاترون ينطلق من منطق معاكس تماماً، وهذا ليس مجرد خطاب، بل فارق بنيوي في التصميم نفسه. فالعودة تمتد ليس على أسابيع، بل على سنوات. لا جرافات تحت النوافذ، ولا جنود يحملون أوامر بالإخلاء بين ليلة وضحاها، ولا "إليك مفاتيح بيت متنقل ودبّر أمرك". الدولة تبني أولاً البنية التحتية داخل إسرائيل، ثم تدعو من يرغب، ثم تُرافق كل عائلة على حدة. القرار يتخذه الفرد نفسه، لا أمر يصدره قائد عسكري.
وهناك فارق جوهري آخر: من يرفض المغادرة يحتفظ بحقه في البقاء. هذا خياره وحده. يوقّع إقراراً بأن إسرائيل لم تعد مسؤولة عن أمنه، ويبقى على أرض الدولة الفلسطينية الجديدة بصفته مواطناً أجنبياً. لا أحد يأتي إليه بالسلاح.
كانت غزة 2005 عملية نفذتها الدولة ضد مواطنيها. أما العودة في مشروع ميتاترون فهي عرض تقدمه الدولة لمواطنيها. الأولى قائمة على الإكراه، والثانية على الاختيار. وهذا الفارق تحديداً هو ما يجعل السيناريو الثاني مختلفاً جذرياً، حتى وإن بدا مشابهاً على السطح.
دولة إسرائيل ملزمة بتحمل مسؤوليتها تجاه من أرسلتهم إلى هناك في المقام الأول. لكن هذه المسؤولية لا تُنجز بالقوة، بل من خلال برنامج يجعل من الاختيار الطوعي أمراً حقيقياً وملموساً: المال، السكن، البنية التحتية، الوقت، الدعم، والتفهّم. كل ما كان غائباً عام 2005 يجب أن يكون حاضراً هذه المرة.
ماذا عن المستوطنات الكبرى؟ معاليه أدوميم، غوش عتصيون، موديعين عيليت، بيتار عيليت — هذه مئات الآلاف من السكان. هل يتعيّن عليهم جميعًا الانتقال؟
لا. وهذا أهم خبر لكل من يقرأ قسم الانتقال بقلق، متخيلاً عملية إجلاء جماعي.
المستوطنات الأربع المذكورة تبقى جميعها ضمن إسرائيل. معاليه أدوميم شرق القدس، غوش عتصيون في الجنوب، موديعين عيليت وبيتار عيليت في الغرب. بالإضافة إلى غفعات زئيف في الشمال الغربي. جميعها تقع ملاصقة لخط 1967 وتدخل ضمن منطقة التبادل الأرضي البالغة 4% الموضحة في قسم الخط. تحتفظ إسرائيل بها، مقابل نقل أراضٍ معادلة إلى الفلسطينيين في النقب ولخيش ومناطق أخرى. نحو 80% من مجمل الإسرائيليين المقيمين خارج خط 1967 اليوم يبقون في أماكنهم تمامًا، دون أي ترحيل على الإطلاق. هذا ليس إغفالًا في المشروع — بل موقف مقصود.
من أصل 700 ألف إسرائيلي في الضفة الغربية، يعيش نحو 150 ألفًا في مستوطنات لا تندرج ضمن أي سيناريو تبادل واقعي. هؤلاء هم سكان البؤر النائية، والمستوطنات العميقة داخل السامرة (مثل أرئيل)، والتجمعات الصغيرة المعزولة. هؤلاء هم من يعنيهم برنامج العودة فعليًا.
لماذا تبقى معاليه أدوميم وما شابهها من التكتلات بينما لا يبقى أرئيل؟ ليس بسبب الأيديولوجيا أو السياسة، بل بسبب الجغرافيا والواقعية. معاليه أدوميم متاخمة للقدس، وضمّها إلى إسرائيل لا يقطّع الأوصال الجغرافية للأراضي الفلسطينية. أما أرئيل فتقع على بعد 17 كيلومترًا من خط 1967، وإبقاؤها ضمن إسرائيل يعني اختراقًا يمتد أكثر من 30 كيلومترًا في عمق الدولة الفلسطينية المستقبلية. وهذا يعطّل أي نموذج واقعي لحل الدولتين. الجانب الفلسطيني لن يوافق على ذلك أبدًا، والمشروع يأخذ هذا كأمر مُسلّم به.
هذا التمييز مهم. برنامج العودة يخص أقلية من الإسرائيليين خارج خط 1967، لا الأغلبية. وهذه الأقلية تعيش تحديدًا في المناطق التي يجعل الحفاظ على السيادة الإسرائيلية فيها إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا. بعبارة أخرى، السؤال ليس من على حق، بل ما هو القابل للتحقيق فعليًا دون كارثة لأي من الطرفين.
ماذا عن البنية التحتية؟ الطرق، المدارس، المستشفيات، الحقول، الكروم — هل يُترك كل هذا مهجورًا؟
لا، ليس مهجورًا. بل منقول. هذا هو الفرق الجوهري.
كل البنية التحتية التي بنتها إسرائيل خارج خط 1967 تنتقل إلى الدولة الفلسطينية. الطرق، المدارس، شبكات المياه، شبكات الكهرباء، المستشفيات، المناطق الصناعية، الأراضي الزراعية. كل ما بُني على مدى عقود بأموال الدولة يبقى للفلسطينيين كجزء من إرث المشروع.
هذا ليس بادرة سخاء. إنه اعتراف ناضج بالواقع. إسرائيل بنت هذه البنية التحتية خارج حدودها المعترف بها دوليًا. كان ذلك مخاطرة، ونجحت. المراهق يُلقي اللوم على الظروف، أما البالغ فيدفع الفاتورة. دولة إسرائيل تتوقف عن التصرف كدولة مصابة بصدمة وتتحمل مسؤولية قراراتها منذ عام 1967.
يتم النقل عبر جرد موثّق دوليًا. لجنة مستقلة مشتركة تُسجّل قيمة ما يُنقل. هذا إجراء محمي قانونيًا يستبعد أي نزاعات مستقبلية.
في الوقت نفسه، يُجري الجانب الفلسطيني حسابه الخاص. يُقيّم الأضرار الناجمة عن عقود الاحتلال: القرى المدمَّرة، الفرص الضائعة، الأرواح المفقودة، التعليم الذي لم يُتَح، الاقتصاد الذي لم يُبنَ. هذا الرقم يصبح مطالبته الرسمية بالتعويض.
في الحالة المثلى، يتقارب الرقمان. الجانب الفلسطيني يعترف بأن البنية التحتية المنقولة تُحتسب ضمن تعويضات الاحتلال. الجانب الإسرائيلي يعترف بأن ذلك يُغلق مسألة استرداد ممتلكات عرب 1948. وهكذا تُغلق مسألة التعويضات من الجانبين. لا دعاوى مستقبلية. موقف واضح، مثبَّت بمعاهدة.
مبدأ توجيهي لتمويل المشروع: المهم ليس كم يكلّف، بل من يدفع. فإذا كانت إسرائيل مستعدة لتمويل نقل مواطنيها بنفسها، مع نقل البنية التحتية إلى الفلسطينيين في الوقت ذاته، فسيرى العالم هذه البادرة ويدعمها — ماليًا وسياسيًا وتقنيًا. هذا هو المسار الذي يتوقف فيه المشروع عن كونه عملية إسرائيلية أحادية الجانب ويتحوّل إلى مشروع دولي لحل نزاع عمره قرن من الزمن.
ماذا عن أولئك الذين يرفضون المغادرة؟ "شباب التلال" لن يتزحزحوا. هل سيكون هناك استخدام للقوة؟
لا وجود لأي سيناريو يتضمن استخدام القوة على الإطلاق. لا جنود يحملون البنادق، لا جرافات، لا عمليات إخلاء قسري. هذا الفصل من تاريخ إسرائيل يُطوى نهائيًا.
من يقرر البقاء يوقّع إقرارًا بتحمّل المسؤولية. وثيقة بسيطة وواضحة: أنا أبقى في أرض لم تعد تحت سيادة دولة إسرائيل. أنا أدرك أن دولة إسرائيل غير مسؤولة عن سلامتي. أنا أبقى بمحض اختياري. التوقيع، التاريخ.
بعد ذلك، يصبح الشخص مواطنًا إسرائيليًا يعيش في بلد أجنبي — تمامًا كإسرائيلي يعيش في نيويورك أو برلين. تقدّم دولة إسرائيل الدعم القنصلي عبر سفارتها في فلسطين. لكنها لا ترسل قوات لحل مشكلاته. فمن حقه ألا يغادر، ومن مسؤوليته أن يبقى.
شباب التلال والمتطرفون الأيديولوجيون يُمنحون الخيار ذاته. إن أرادوا البقاء، فليبقوا. وسيتعاملون مع الشرطة الفلسطينية بأنفسهم. وإذا أثاروا نزاعات مع مواطنين فلسطينيين أو هاجموا قوات الأمن الفلسطينية، فذلك يصبح شأنًا فلسطينيًا داخليًا — لا يعني إسرائيل من قريب أو بعيد. إنه اختصاص قضائي فلسطيني، تقرره الحكومة الفلسطينية.
تتراجع دولة إسرائيل، بالمعنى الحرفي للكلمة. لا عن لا مبالاة، بل عن موقف مبدئي وناضج. فإن كنت مواطنًا بالغًا يختار عن وعي البقاء في أرض أجنبية خلافًا لنصيحة حكومته، فأنت من يتحمّل تبعات هذا القرار بنفسك.
هذا يحل عدة مشكلات دفعة واحدة. فلا يتكرر سيناريو غزة 2005. ولا يحدث أي تهجير قسري. وفي الوقت نفسه، يُغلق الباب أمام أي ابتزاز: فلا تستطيع أي جماعة متطرفة إيقاف المشروع بالتهديد بمقاومة مسلحة. مقاومتها تصبح مشكلة فلسطين، لا مشكلة إسرائيل.
سيناريو أن تأتي إسرائيل لإخراج مواطنيها بالقوة لا مكان له في هذا المشروع. وهذا، ربما، هو الوعد الأساسي لبلدٍ لا يريد أبدًا أن يرى مجددًا جنودًا يجرّون عائلات من بيوتها.
ماذا عن الوصول إلى قبور الأجداد والكُنُس والمواقع التاريخية التي تبقى داخل الأراضي الفلسطينية؟
مشروع ميتاترون يبني جدارًا ويرسم حدودًا. أما الوصول إلى المواقع المقدسة عبر تلك الحدود، فهو ليس مسألة بنية تحتية، بل سؤال يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولتين اللتين ستقومان بعد تنفيذ المشروع.
غير أن منطق تلك العلاقة المستقبلية موجود أصلًا في صميم المشروع.
فمواقع محورية في اليهودية تبقى في الضفة الغربية: قبر يوسف في نابلس، والحرم الإبراهيمي في الخليل، وكُنُس ومقابر مجتمعات المستوطنين. وفي داخل إسرائيل تبقى مساجد ومقابر في حيفا ويافا والناصرة، مرتبطة بتاريخ عائلات فلسطينية قبل عام 1948. مصلحة متماثلة على الجانبين.
الوصول إلى هذه المواقع هو مفتاح حسن الجوار. والمنطق بسيط ويسري في الاتجاهين: إن قيّدوا الوصول، نقيّده نحن أيضًا. وإن فتحوه، نفتحه. هذا هو ميزان المصالح — وهو اللغة الوحيدة التي تُحل بها مثل هذه المسائل بين الدول.
وثمة سوابق فعلية أثبتت نجاعتها. أيرلندا الشمالية بعد اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998: ثلاثون عامًا من الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت انتهت إلى وضع يزور فيه أبناء الطائفتين مواقعهما المقدسة بحرية في أنحاء الإقليم كافة. البوسنة والهرسك بعد اتفاقيات دايتون عام 1995: نال المسلمون والكاثوليك والأرثوذكس حرية الوصول إلى المواقع المقدسة في جميع أنحاء البلاد، رغم صراع مدمّر سبق ذلك بوقت قصير. هذه ليست يوتوبيا، بل ممارسة قابلة للقياس.
فور قيام الدولة الفلسطينية، تصبح تلقائيًا خاضعة للقانون الدولي، وتتأثر بالضغوط ذاتها التي تؤثر اليوم على أي دولة ذات سيادة. وهذا يخلق حوافز نحو سلوك ناضج — لا حبًا في إسرائيل، بل مصلحةً ذاتية: المشاركة في التجارة الدولية، واستقطاب الاستثمارات، ونيل الاعتراف في الأمم المتحدة.
مشروع ميتاترون يخلق الظروف التي تجعل هذا الحوار ممكنًا. اليوم هذا الحوار غير موجود، لأنه لا توجد دولتان. الجدار والحدود يغيّران ذلك. يظهر طرفان قادران على خوض هذا الحوار كطرفين متساويين في القانون الدولي.
من دون المشروع، يستحيل الوصول الحر. ومع المشروع، يصبح ممكنًا. المشروع يخطو الخطوة الأولى، لا الأخيرة.
هل هناك سوابق ناجحة في العالم لهذا النوع من الترحيل؟ أم أن الوضع فريد من نوعه؟
هناك سوابق فعلاً، ومن المهم أن نفصل منذ البداية بين الجيدة منها والسيئة.
يجب ذكر السوابق السيئة أولاً، لأن الناس يفكرون بها قبل غيرها. ألمانيا 1945: ملايين الألمان طُردوا قسراً من بولندا وتشيكوسلوفاكيا. تبادل السكان اليوناني-التركي عام 1923: 1.6 مليون شخص، بالإكراه. حروب يوغوسلافيا في التسعينيات: تطهير عرقي تنكّر في زي "تبادل". كل هذه سيناريوهات يجب على المشروع تجنبها بشكل قاطع. إنها تُظهر ما ينبغي ألا يُفعل أبداً.
لكن هناك أيضاً سوابق جيدة، وهي أقل شهرة.
الجزائر، 1962. بعد إعلان الاستقلال، قرر نحو مليون مواطن فرنسي، وُلدوا ونشأوا في الجزائر على مدى أجيال، الانتقال إلى فرنسا خلال أشهر قليلة. لم تمارس فرنسا أي عنف، ولم يكن هناك إجلاء قسري. وفّرت الدولة السكن، والوظائف، والاندماج الاجتماعي. لم تكن العملية مثالية، وما زال كثير من "الأقدام السوداء" (Pieds-Noirs) يشعرون حتى اليوم بألم القطيعة مع مسقط رأسهم. لكنها كانت برنامجاً حكومياً منظماً، لا كارثة.
هونغ كونغ، 1997. بعد تسليم هونغ كونغ من بريطانيا إلى الصين، أُعطي المواطنون البريطانيون خيارات: الانتقال إلى بريطانيا بدعم كامل، أو البقاء بوضع قانوني جديد، أو تجربة خيارات أخرى. لم تحضر الدولة بأوامر، بل قدّمت خيارات.
ألمانيا، 1990، إعادة التوحيد. عبرت مئات الآلاف من العائلات الحدود السابقة بين ألمانيا الشرقية والغربية خلال سنوات قليلة، منتقلة ومندمجة في مجتمعها الجديد. قدّمت الدولة دعماً مالياً واجتماعياً. ومرّت العملية دون كارثة.
ما القاسم المشترك بين هذه السوابق الثلاث؟ أن الدولة تتحمّل مسؤولية العملية بالكامل. هي التي تموّلها، وتنظّمها، وترافقها. لا تطرد، بل تدعو. لا تأمر، بل تعرض. الفرد هو من يتخذ القرار، والدولة تحترم أي خيار يقع عليه.
ومشروع ميتاترون يعتمد بالضبط على هذا النموذج. ليس غزة 2005. وليس ألمانيا 1945. بل الجزائر 1962، وهونغ كونغ 1997، وألمانيا 1990. دولة تدرك أن الترحيل عملية صعبة ومؤلمة، وتبذل كل ما بوسعها لإبقاء هذا الألم عند حدّه الأدنى المعقول.
الفريد في الأمر ليس الترحيل بحد ذاته، بل استعداد الدولة لتحمّل المسؤولية الكاملة عنه.
البيئة
ممر بيئي واحد كل مئة كيلومتر — هذا خداع. الحيوانات لا تهاجر وفق جدول زمني وعلى طرق تناسب البشر.
من أين جاء هذا الرقم؟ لا وجود لعبارة "ممر واحد كل مئة كيلومتر" في أي موضع من المشروع. في مرحلة التصميم، وقبل إجراء التقييم البيئي، تشير الخطة إلى ما بين 45 و50 ممرًا بيئيًا. أما عددها النهائي ومواقعها فسيحددهما علماء البيئة: فمسارات الهجرة الموسمية مدروسة بالفعل دراسة وافية من قبل مؤسسات إسرائيلية ودولية، وتُبنى الممرات البيئية بالضبط حيث تكون الحاجة إليها حقيقية — لا حيث تكون مريحة للمقاولين.
المبدأ بسيط: القيد الوحيد هنا هو توصيات علماء البيئة. إن قالوا إن الحاجة تستدعي 70 ممرًا، فسيكون هناك 70. وإن قالوا 30، فسيكون هناك 30.
مهمة المشروع لا تقتصر على تأمين سلامة البشر فحسب، بل تشمل أيضًا الحفاظ على التنوع البيولوجي الطبيعي. أما بناء ممر بيئي عبر جدار فهو مسألة هندسية محلولة منذ زمن طويل — إذ تُبنى مثل هذه الممرات في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، وعلى امتداد طرق جبلية معقدة. لا شيء هنا لم يُجرَّب من قبل. هذه فقط المرة الأولى التي تُطبَّق فيها هذه الخبرة على مشروع بهذا الحجم.
أليس الجسر البيئي في نهاية المطاف ثغرة في الجدار؟ كيف يتوافق "حاجز منيع" مع "جسر أخضر للحيوانات"؟
الجسر البيئي ليس ثغرة في الجدار، بل هو جسر يعلوه. فالجدار من تحته يمتد بلا انقطاع في أي نقطة. يصعد الحيوان إلى الجسر من جهته عبر منحدر طبيعي لطيف، يعبر فوق الجدار من خلال ممر أخضر، ثم ينزل من الجهة الأخرى. أما الإنسان الذي يحاول الالتفاف عبر الجسر البيئي فسيصطدم بالجدار نفسه الذي يصطدم به في أي مكان آخر.
الجسر البيئي نفسه محمي بشكل خاص. فمداخله مصممة بحيث يمر الحيوان بحرية بينما يستحيل على الإنسان ذلك ماديًا: فتحات عمودية ضيقة، بعرض 20 إلى 30 سنتيمترًا، تسمح بمرور غزال أو نيص أو ثعلب، لكن لا تسمح بمرور إنسان. وتميّز كاميرات التعرف على الظلال بين الحيوانات والبشر وتستجيب فورًا. كما ترصد أجهزة استشعار ليزرية أي جسم يزيد وزنه عن 30 كيلوغرامًا.
ويتلخص المبدأ في عبارة واحدة: حرية للحيوانات، وحاجز للبشر. وهذا أمر ممكن التحقيق هندسيًا.
ماذا عن الطيور؟ إسرائيل واحدة من أكبر ممرات الهجرة في العالم. جدار بارتفاع 30 مترًا يشكّل تهديدًا جديًا لها، والممرات البيئية (eco ducts) لا تُجدي هنا.
سؤال دقيق. نحو 500 مليون طائر، من أكثر من 500 نوع، تعبر إسرائيل مرتين في السنة — ما يجعلها ثاني أهم ممر هجرة على وجه الكوكب.
لكن عند التمحيص، يتبيّن أن التهديد الأساسي ليس الجدار بحد ذاته، إذ إن معظم الأنواع تحلّق على ارتفاعات أعلى بكثير من ثلاثين مترًا. الأخطار الحقيقية تكمن في التلوث الضوئي، والأسطح الشفافة، وخطوط الكهرباء. وهذه الثلاثة جميعها قابلة للمعالجة: يُلغى الإضاءة الخارجية كليًا (فالمراقبة بالأشعة تحت الحمراء مدمجة أصلًا في المشروع)، وتُعالَج الأسطح الزجاجية بأنماط فوق بنفسجية تراها الطيور، وتُصمَّم الهوائيات والخطوط وفق معايير جمعية حماية الطبيعة في إسرائيل (SPNI)، المعتمدة أصلًا منذ زمن طويل في إسرائيل.
ويمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك. فبطوله البالغ 1,115 كيلومترًا، يمكن للجدار أن يصبح أكبر موطن اصطناعي في العالم لجوارح الطيور. فتجاويف التعشيش المدمجة فيه تحوّله من مصدر تهديد إلى موطن جديد للصقور والبوم. الطبيعة تستولي على ما يبنيه الإنسان، طالما لم يُعَق ذلك.
كيف يتعامل الجدار مع الأنهار والوديان والفيضانات الموسمية؟ ألن يتحول إلى سد؟
سؤال وجيه، والإجابة عنه استُخلصت بالفعل من أخطاء الآخرين. فقد تحوّل الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك إلى سلسلة من الكوارث، تحديدًا لأن المهندسين استهانوا بخطر الفيضانات. ففي عام 2021، اقتلعت أمطار الرياح الموسمية في ولاية أريزونا تسع بوابات فولاذية، اختفت خمس منها بالكامل. وفي كل موضع أُهمل فيه نظام الصرف، هزمت الطبيعة الحاجز في موسم واحد فقط.
أما الجدار الإسرائيلي فقد صُمم وهذه التجربة ماثلة أمام العين. ففي كل نقطة عبور لوادٍ أو مجرى مائي موسمي، تُركَّب أقسام كبيرة لتصريف المياه، مصمَّمة لاستيعاب فيضان يحدث مرة كل مئة عام، مع هامش أمان معتبر. أما الجانب الأمني فيُعالَج بالطريقة ذاتها المتبعة في الممرات البيئية: شبكات معدنية تسمح بمرور الماء والحطام لكنها تمنع مرور البشر، وكاميرات مزودة بالذكاء الاصطناعي تميّز الأشكال البشرية، وأجهزة استشعار تحت الماء ترصد أي حركة. أما الحطام فيُجمع في أحواض التقاط مخصصة أعلى المجرى — وهي المشكلة عينها التي كانت تُلحق الضرر بالجدار الأمريكي مرارًا.
نظام الصرف جزء أصيل من المشروع منذ أول مخطط هندسي، لا إضافة لاحقة بعد أول فيضان.
التمويل
إعادة توزيع الميزانية الدفاعية — هل يعني ذلك تقليص الجيش؟ أليس ذلك خطيرًا في ظل التهديدات الحالية؟
لا، الأمر ليس كذلك. المقصود هو إعادة توزيع الإنفاق ضمن الميزانية الدفاعية القائمة، لا تقليصها.
تنفق إسرائيل مبالغ هائلة على الدفاع كل عام: ففي عام 2024 بلغ الإنفاق 168.5 مليار شيكل، أي 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم قياسي دفعت إليه حربا غزة ولبنان. وتذهب حصة كبيرة من هذا المال إلى الحفاظ على وجود عسكري دائم في الضفة الغربية. فنصف القوات التشغيلية لجيش الدفاع الإسرائيلي مرتبط هناك منذ سنوات — لا للدفاع عن حدود دولية معترف بها، بل للسيطرة على الأرض والسكان.
منطق المشروع بسيط. فإذا تولى حاجز مادي وتقنيات مراقبة جزءًا من المهمة التي يؤديها الجنود حاليًا على الأرض، يقل العبء الملقى على الأفراد. الجيش لا يُقلَّص، بل يتغير هيكل إنفاقه: أموال أقل تُخصص لتمركز آلاف جنود الاحتياط بشكل دائم لتسيير الدوريات في الأرض، وأموال أكثر تُوجَّه كاستثمار رأسمالي في جدار يعمل بشكل ذاتي لعقود.
وهذا ليس توفيرًا نظريًا. فبحسب بنك إسرائيل، يكلف شهر واحد من خدمة الاحتياط الاقتصاد ما متوسطه 38 ألف شيكل، ويرتفع إلى 62 ألف شيكل بالنسبة لفئات عمرية معينة — من دون احتساب التعويضات التي تُدفع للشركات والعائلات مقابل ساعات العمل الضائعة. جدار مزوّد بمراقبة آلية يستبدل جزءًا من هذا العبء باستثمار يُدفع مرة واحدة.
لا خطر على الأمن هنا — بل العكس تمامًا. فالقوات التي يتم تحريرها تُوجَّه إلى مهام تتطلب فعلًا قوة بشرية عسكرية حية: الاستعداد لمواجهات كبرى، قوات الرد السريع، والعمليات ضد التهديدات المنظمة. أما مراقبة المحيط — وهي مهمة روتينية تستهلك عددًا كبيرًا من الأفراد — فتنتقل إلى التكنولوجيا. وهذا هو المنطق المعتاد لتحديث أي جيش معاصر: عدد أقل من الأفراد في مهام الحراسة الثابتة، وتكنولوجيا وحركية أكثر.
إعادة تخصيص ميزانية البنية التحتية — هل يعني ذلك أن الطرق والمستشفيات والمدارس لن تُبنى؟
لا، لا يوجد مثل هذا الخطر، ومن المهم أن نفهم حجم ما نتحدث عنه.
ميزانية البنية التحتية لدولة إسرائيل ضخمة وتغطي عشرات المجالات: الطرق، الجسور، السكك الحديدية، إمدادات المياه، شبكات الكهرباء، المستشفيات، المدارس، الموانئ. لا يدّعي مشروع ميتاترون أنه يحل محل هذا الإنفاق، ولا يقترح وقف البناء المدني داخل البلاد.
الأمر هنا يتعلق بمصدر مختلف ضمن ميزانية البنية التحتية: ذلك الجزء الذي ظل لسنوات يُخصَّص لصيانة وتطوير الطرق وشبكات الكهرباء والاتصالات في الأراضي الواقعة خارج خط 1967. وهذا مبلغ حقيقي وكبير إلى حد بعيد: طرق المستوطنات، شبكات اتصالات منفصلة، بنية تحتية أمنية لا تُصنَّف رسميًا على أنها عسكرية لكنها تُموَّل ضمن بنود البناء المدني.
المنطق بسيط. إذا انتهى الأمر بنقل هذه البنية التحتية إلى الدولة الفلسطينية كجزء من آلية التعويض الموصوفة في قسم الانتقال، فإن كلفة صيانتها وتوسيعها لاحقاً تتوقف من تلقاء نفسها. فالمال الذي كان يذهب إلى صيانة الطرق وراء خط 1967 يُوجَّه إلى تمويل الخط والجدار داخل الحدود المعترف بها.
هذا ليس تقليصًا في البنية التحتية المدنية لإسرائيل، بل هو وقف تمويل بنية تحتية قائمة على أرض يتغير وضعها. أما المدارس والمستشفيات والطرق داخل إسرائيل فلن تتأثر، لأنها تُموَّل من بند ميزانية مختلف تمامًا، بند لا يمسّه المشروع.
والنتيجة صورة منطقية: الأموال التي كانت الدولة تنفقها للحفاظ على وجودها خارج حدودها المعترف بها دوليًا، تبدأ في العمل على تعزيز هذه الحدود ذاتها. ليس تقليصًا في الاستثمار بالبنية التحتية، بل تحوّلًا في جغرافيته.
تسويق التقنية تجاريًا — ماذا يعني ذلك؟ هل ستبيع إسرائيل أسلحة بالاستناد إلى الجدار؟
ليست أسلحة بالمعنى الدقيق للكلمة — بل تقنية أمنية، وهذه صناعة قائمة فعلًا، وليست خيالًا اخترعه المشروع.
فإسرائيل تصدّر أنظمة أمنية إلى العالم منذ عقود: أجهزة استشعار، أنظمة مراقبة، طائرات مسيّرة، أمن سيبراني، تقنيات تعرّف. وهذا أحد أكبر قطاعات الصادرات الإسرائيلية، وتضاهي أهميته أهمية قطاع التكنولوجيا الفائقة ككل. فشركات مثل "إلبيت سيستمز" و"رافائيل" و"الصناعات الجوية الفضائية الإسرائيلية" تبيع منتجاتها لعشرات الدول.
ويوفر مشروع "ميتاترون" ساحة اختبار وعرض فريدة لهذه التقنيات في ظروف تشغيل حقيقية، على امتداد حدود يتجاوز طولها الألف كيلومتر. فنظام المراقبة متعدد الطبقات، وتصنيف الأهداف بالذكاء الاصطناعي، ومحطات الإصلاح الذاتي، وأمن البنية التحتية الحيوية سيبرانيًا — كل هذا يُطوَّر ويُختبَر أثناء بناء الجدار وتشغيله.
وثمة منطق تجاري مباشر يعمل هنا. فأي بلد يريد حماية حدوده بهذه الطريقة سيرى مثالًا عمليًا يعمل بالفعل، وسيرغب في شراء التقنية أو الحصول على ترخيص لاستخدامها. وهذا يحدث فعلًا مع أنظمة الدفاع الصاروخي والمراقبة الإسرائيلية، وحدود طويلة تحمل شهادة اختبار قتالي حقيقية لن تزيد العرض إلا قوة.
ويمكن توجيه جزء من عائدات تصدير التقنيات المطوَّرة أو المختبَرة ضمن المشروع نحو تمويل مراحل البناء التالية. وهذا ليس المصدر الرئيسي للأموال، ولا يعتمد المشروع عليه وحده. لكنه قناة تكميلية واقعية، تستثمر بالضبط ما تُجيده إسرائيل حقًا: تحويل التحديات الدفاعية إلى منتج للتصدير.
والفارق الجوهري عن صادرات السلاح التقليدية هو أن هذه تقنيات دفاعية لا هجومية. فأجهزة الاستشعار وأنظمة المراقبة وتصنيف الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لا تهاجم — بل تكتشف وتحمي. وهذه فئة مختلفة تمامًا من التجارة الدولية، تثير أسئلة سياسية وأخلاقية أقل بكثير.
ضريبة مخصصة — هل يعني ذلك أن الإسرائيليين سيدفعون ضريبة إضافية خاصة بالجدار؟
نعم، هذا أحد مصادر التمويل، وقد صُمم عن قصد ليكون إجراءً مؤقتًا ومحدودًا لا عبئًا دائمًا.
منطق الضريبة المخصصة يختلف جوهريًا عن منطق رفع الضرائب بشكل عام. فالأمر لا يتعلق برفع شامل لضريبة القيمة المضافة أو ضريبة الدخل لأجل غير مسمى، بل برسم محدد وموجّه، مرتبط بمشروع بعينه، وله مدة زمنية واضحة وغاية واضحة.
آليات مشابهة أثبتت نجاحها في إسرائيل من قبل. فبعد أزمات متعددة، لجأت الحكومة مرارًا إلى فرض رسوم موجّهة لدعم التعافي الاقتصادي أو تمويل برامج أمنية محددة. والمواطنون يتقبّلون دفع المزيد بسهولة أكبر حين يعرفون بالضبط أين تذهب أموالهم، وحين يرون النتائج بأعينهم.
حجم هذه الضريبة ليس مما يقرره المشروع، بل هو قرار يعود للحكومة والكنيست. أما المبدأ الذي يطرحه المشروع فهو أن تكون الضريبة في حدها الأدنى، موجّهة بدقة، مع تقارير شفافة عن أوجه الإنفاق، وموعد محدد سلفًا — أو شرط معين — لإلغائها، كأن يتم ذلك مثلًا فور الانتهاء من مرحلة بناء معينة.
هذا ليس مصدر التمويل الرئيسي. فالضريبة المخصصة تأتي إلى جانب السندات الحكومية، وإعادة توزيع الميزانيات القائمة، ودعم يهود الشتات، وقنوات أخرى. دورها تكميلي: سدّ جزء من الفجوة التي لا تغطيها المصادر الأخرى، خاصة في المراحل الأولى، قبل أن يبلغ الدعم الدولي وإصدار السندات ذروته.
وهناك نقطة نفسية مهمة أيضًا في هذا السياق. فحين تطلب الدولة من مواطنيها دفع مبلغ إضافي بسيط مقابل شيء ملموس ومرئي، يُنظر إلى الأمر بشكل مختلف تمامًا عن رفع ضريبي مجرّد لسد عجز في الميزانية. فالناس مستعدون للدفع مقابل جدار يرونه، يمكنهم قياسه، ويعالج مشكلة يعيشونها يوميًا.
من سيبني هذه الـ1,115 كيلومترًا، ومن سيستفيد من ذلك؟
آلاف البشر، وهذا ليس أثرًا جانبيًا للمشروع، بل جزء من متانته السياسية.
مشروع بهذا الحجم، 80 مليار دولار، يُنفَّذ على مدى سنوات، يخلق طلبًا هائلًا على الأيدي العاملة: مهندسون، عمال بناء، مشغّلو معدات، متخصصون في الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، طواقم لوجستية، أفراد أمن، وكوادر فنية لعقود من الصيانة. هذا ليس عقدًا لمرة واحدة تُنفذه شركة كبرى بمفردها، بل اقتصاد كامل من المقاولين ومقاولي الباطن ومورّدي المواد والمعدات، منتشر في أنحاء البلاد كلها.
تجربة مشاريع البنية التحتية المماثلة في الحجم حول العالم تكشف عن نمط ثابت: كل مليار دولار يُستثمَر في بنية تحتية كبرى يخلق عدة آلاف من فرص العمل، المباشرة وغير المباشرة. وبميزانية قدرها 80 مليار دولار، يعني ذلك عشرات الآلاف من فرص العمل لسنوات مقبلة، لا في قطاع البناء وحده، بل في الصناعات المرتبطة به: إنتاج الخرسانة والصلب، اللوجستيات، الإلكترونيات، والخدمات.
هذا يخلق أمرًا مهمًا لاستمرارية المشروع نفسه. آلاف العائلات التي يعتمد دخلها مباشرة على استمرار البناء تتحول إلى حلفاء طبيعيين للمشروع، لا لأسباب أيديولوجية، بل بدافع مصلحة عملية بحتة: توقف البناء يعني فقدان العمل. وهذا يغيّر الديناميكية السياسية المحيطة بالمشروع، إذ يضيف حجة اقتصادية يفهمها كل مقاول وسائق ومهندس وحارس وعائلته، إلى جانب الحجج الاستراتيجية والدفاعية.
قطاعا البناء والتكنولوجيا في إسرائيل يحصلان على طلبية غير مسبوقة في حجمها ومدتها، مما يتيح التخطيط لسنوات مقبلة، والاستثمار في معدات جديدة، وتدريب كوادر متخصصة. هذا بالضبط هو نوع الاقتصاد الذي يحوّل مشروعًا حكوميًا مجردًا إلى مصدر دخل ملموس لعشرات الآلاف من المواطنين، الذين يصبح نجاح المشروع بالنسبة لهم أمرًا لا يقل أهمية عن رواتبهم نفسها.
ماذا لو ظلت الأموال غير كافية؟ هل يتوقف المشروع في منتصف الطريق؟
لا. التوقف ليس جزءًا من منطق المشروع، وهذا موقف مبدئي، لا مجرد تفاؤل بلا أساس.
يُموَّل المشروع عبر صندوق حكومي مخصص له إدارته الخاصة، منفصل عن مسار الميزانية العادية. مهمته أن يبني مسبقًا احتياطيًا ماليًا يغطي عددًا محددًا من أشهر البناء القادمة. فإذا تباطأ التدفق من أحد مصادر التمويل الثلاثة عشر، يغطي هذا الاحتياطي الفجوة إلى حين استئناف القنوات الأخرى عملها.
وإذا كانت الأموال شحيحة فعليًا في لحظة معينة، فإن المشروع لا يتوقف، بل يقترض. قروض حكومية، تمويل جسري (ائتمان قصير الأجل يسد الفجوة إلى حين وصول الأموال الأساسية)، إصدار متسارع لسندات أمنية. هذا يكلّف مالًا، لكنه لا يوقف العمل. فالبناء المتقطّع أكلف من البناء بالدين: المعدات تتعطل، والعقود مع المقاولين تنهار، ولا بد من إعادة بناء الزخم من الصفر.
تُعلن الجداول الزمنية علنًا، أمام العالم كله. الأجزاء الخضراء تُبنى وفق المواعيد المعلنة، ولا شيء يمكنه ماديًا إيقاف ذلك: فهذه أرض سيادية إسرائيلية. أما الأجزاء الحمراء، التي تتطلب تنسيقًا مع الجانب الفلسطيني، فتتحول إلى خضراء تحديدًا حين يرى الطرفان أن البناء لا يهدأ وأن وتيرته تتسارع.
من المهم أن نفهم بدقة ما يملك خصم المشروع أن يفعله فعلًا. ليس البناء نفسه: فعلى أرضها، تبني إسرائيل دون استئذان أحد، ولا مجال قانونيًا للاعتراض هناك. لا تتوفر عمليًا سوى أداتين: إطالة أمد المفاوضات بشأن الأجزاء الحمراء التي تتطلب تبادلًا للأراضي، والضجيج الإعلامي-الدبلوماسي على المنصات الدولية. ولا واحدة منهما توقف الإسمنت. يمكنهما إبطاء الأجزاء التي تحتاج موافقة الطرف الآخر، لكن لا يمكنهما وقف البناء حيث تتصرف إسرائيل في إطار حقها السيادي.
لهذا السبب فإن البطء ضار، لا بسبب دعاوى قضائية أو احتجاجات لن تحدث، بل لأنه يترك وقتًا أطول لهذا النوع من المماطلة والضجيج، وهو أمر يُختصر بالسرعة أفضل من تحمّله سنوات.





